في المقال الأول من هذه السلسلة حاولنا تفكيك عناصر الصراع في السودان، والخروج من الصورة التي تختزل الحرب في طرفين: القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. خلف البندقية تقف طبقات من القوى: حركات مسلحة، أحزاب، تيارات أيديولوجية، قوى مدنية وثورية، إدارات أهلية، طرق صوفية، مجتمعات محلية، شباب ونساء، مثقفون وإعلاميون، وشبكات مصالح اقتصادية، فضلًا عن التأثير الإقليمي والدولي. لكن التفكيك وحده لا يكفي. السؤال الآن: من يتشابه مع من؟ وهل كل هذه الأسماء تمثل مشاريع مختلفة، أم أن كثرتها تخفي عددًا محدودًا من المشاريع الكبرى؟
هنا تبدأ محاولة إعادة تركيب الخريطة.
لننسَ الأسماء قليلًا
لو طلبنا من القوى السودانية كلها الإجابة عن سؤال واحد: أي سودان تريدون بعد الحرب؟ كيف تكون الدولة؟ من يحكمها؟ كيف توزع السلطة والثروة والسلاح؟ ما علاقة المركز بالأقاليم؟ ما موقع الدين؟ وما دور الجيش؟ سنكتشف أن الأسماء كثيرة، لكن المشاريع الكبرى أقل.
دولة مركزية قوية
هناك تيار يرى أن السودان يحتاج إلى دولة قوية تحفظ وحدته وتفرض القانون. لكن «الدولة القوية» ليست بالضرورة مفهومًا واحدًا. فقد تعني دولة مؤسسات تحت سلطة مدنية، أو دولة مركزية ذات نفوذ عسكري، أو دولة تفرض سلطتها على الأقاليم من المركز. إذن: التشابه في شعار وحدة الدولة لا يعني التطابق في مشروعها.
الدولة المدنية الديمقراطية
في المقابل، ترى قوى واسعة أن جذور الأزمة تكمن في تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة، وأن الحل يبدأ بدولة مدنية ديمقراطية. لكن المدنية نفسها ليست مشروعًا مكتملًا. فقد تتفق القوى المدنية واليسار ولجان المقاومة والأحزاب الحديثة والمستقلون على رفض الحكم العسكري، ثم يختلفون حول الاقتصاد، والفيدرالية، والعدالة، وشكل الانتقال. المدنية نقطة التقاء، وليست بالضرورة نقطة نهاية.
الفيدرالية واللامركزية
مشروع آخر ينطلق من أن الدولة السودانية أخفقت تاريخيًا في توزيع السلطة والثروة والخدمات، وأن إعادة إنتاج المركز لن تصنع سلامًا دائمًا. هنا تبرز الفيدرالية والحكم الإقليمي وتقاسم السلطة والثروة. لكن السؤال يبقى: أي فيدرالية؟ وما حدود سلطات الأقاليم؟ وماذا يحدث للسلاح؟ وهل تتحول الحركات المسلحة إلى أحزاب أم إلى مكونات أمنية إقليمية؟ لذلك حتى المشروع الفيدرالي ليس كتلة واحدة.
المرجعية الإسلامية
الإسلاميون بدورهم لا يمكن اختزالهم في تنظيم واحد، لكن هناك مساحة سياسية وفكرية ترى أن الإسلام يجب أن يكون حاضرًا في تعريف الدولة والقانون والمجتمع. وهنا أيضًا تتعدد الأسئلة: دولة حزبية أم مدنية ذات مرجعية إسلامية؟ ما علاقة الإسلاميين بالجيش؟ وهل يمكن فصل الفكرة الإسلامية عن تجربة الحكم السابقة لذلك فإن جمع الإسلاميين في مشروع واحد قد يكون تبسيطًا، لكن تجاهل هذا المشروع وتأثيره في السياسة السودانية خطأ أكبر.
مشروع الثورة والتغيير
أنتجت ثورة ديسمبر مشروعًا مختلفًا: تغيير قواعد إنتاج السلطة، لا مجرد تغيير الحكومة. تفكيك بنية الدولة القديمة، استقلال المؤسسات، إعادة بناء الجيش، العدالة والمحاسبة، وتوسيع المشاركة الشعبية. لكن هذا المشروع عانى من تعدد مكوناته وعدم تحوله إلى بنية سياسية موحدة، ثم جاءت الحرب لتزيد انقساماته. ومع ذلك بقيت فكرته المركزية: السودان يحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة، لا تبديل اللاعبين فقط.
وماذا عن الأحزاب التقليدية؟
الأمة والاتحادي وغيرهما يمثلون مشروعًا تاريخيًا يقوم على المجتمع والانتخابات والرمزية الدينية والاجتماعية والدولة الوطنية. لكن عمقهم الاجتماعي يقابله ضعف في التجديد والانقسام والقيادات التاريخية. وقد يلتقي الحزب التقليدي مع القوى الحديثة في الديمقراطية، بينما يختلف معها في التنظيم والقيادة وعلاقة الحزب بالمجتمع. التاريخ المشترك لا يعني المشروع المشترك.
أما اليسار، فيقرأ الأزمة من زاوية مختلفة، تربط الحرب ببنية الدولة والاقتصاد وتوزيع الثروة وعلاقة المركز بالأطراف. وهنا قد يلتقي مع قوى إقليمية ومطلبية في العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، رغم اختلافه معها أيديولوجيًا. إذن نحن لا نبحث فقط عن التشابه بين التنظيمات، بل عن التشابه بين الأفكار.
الجيش والحركات المسلحة
قد يقاتل الجيش وحركة مسلحة في الخندق نفسه، لكن ذلك لا يعني تطابق مشروعهما السياسي. هل يتفقان على شكل المؤسسة العسكرية؟ على الجيش الواحد؟ على ترتيبات أمنية خاصة بالأقاليم؟ على توزيع السلطة؟ قد يكون التحالف العسكري مؤقتًا، بينما يبقى الاختلاف السياسي قائمًا. والقاعدة نفسها تنطبق على تحالفات الدعم السريع. فمن يقف معه قد يفعل ذلك لأسباب مختلفة: رفض عودة النظام السابق، معارضة الإسلاميين، إعادة توزيع السلطة بين المركز والأقاليم، أو الرغبة في إعادة تأسيس المؤسسة العسكرية. السؤال إذن ليس: من مع من؟ بل: لماذا يقف معه اليوم، وأين يمكن أن يقف غدًا؟
المجتمع… المشروع الذي لا يحمل اسمًا
هناك مشروع أكبر لا يحمل اسم حزب: النازح الذي يريد العودة، والمزارع الذي يريد أرضه، والتاجر الذي يريد سوقًا آمنًا، والطبيب الذي يريد مستشفى يعمل، والمعلم الذي يريد راتبًا، والشاب الذي يريد وظيفة، والأسرة التي تريد أن تعيش بلا خوف. هذه هي المصلحة الاجتماعية الكبرى. وأي مشروع سياسي لا يستطيع الإجابة عن أسئلة الحياة اليومية للسوداني، لن يتحول إلى مشروع دولة مهما كانت قوة شعاراته.
إذن… من يتشابه مع من؟
بعد إزالة الأسماء، تظهر خطوط التقاطع: من يتفق على وحدة السودان، ومن يتفق على المدنية، ومن يريد إعادة توزيع السلطة والثروة، ومن يدعو إلى الفيدرالية، ومن يريد إعادة بناء الجيش، ومن يطالب بالعدالة والمحاسبة، ومن يريد مرجعية إسلامية، ومن يريد دولة محايدة دينيًا، ومن يدفع نحو اقتصاد أكثر عدالة. لكن هذه التقاطعات لا تصنع بالضرورة تحالفًا. فمن يتفق معك على المدنية قد يختلف معك في الاقتصاد. ومن يتفق معك على الفيدرالية قد يختلف معك حول السلاح. ومن يرفض الحكم العسكري قد لا يقبل مشروعك الثوري. لذلك: التشابه ليس اندماجًا والتقاطع ليس تحالفًا والتحالف ليس وحدة.
السودان أمام مشاريع لا أمام معسكرين
السودان ليس أمام حرب بين الجيش والدعم السريع فقط، لكنه أيضًا ليس أمام عشرات المشاريع المستقلة تمامًا. الأقرب إلى الحقيقة أننا أمام عدد محدود من المشاريع الكبرى، تتداخل حولها عشرات التنظيمات والشخصيات والمصالح. وهذا يفسر تغير التحالفات وانقسام الحلفاء واتفاق الخصوم في قضية واختلافهم في قضايا أخرى. الحرب جمعت هذه المشاريع تحت ضغط البندقية، لكن السلام سيحررها لتظهر اختلافاتها الحقيقية. ولهذا قد يكون وقف الحرب أسهل من الاتفاق على السودان الذي سيأتي بعدها.
فالسؤال بعد الحرب لن يكون فقط: من انتصر بل: أي مشروع انتصر؟ وهل يستطيع السودان صناعة مشروع وطني أوسع من كل هذه المشاريع، يجد فيه العسكري والمدني، والدارفوري والشرقي والوسطي، والإسلامي واليساري، والحزبي والمستقل، والنازح والمقيم، والشاب والشيخ، مكانًا له؟ ربما تكون هذه هي المعركة الحقيقية التي لم تبدأ بعد:
معركة إعادة تعريف السودان نفسه.
وفي المقال التالي نذهب خطوة أبعد: من نقاط التشابه إلى نقاط الالتقاء الممكنة. من يستطيع الجلوس مع من؟ وما المشاريع القابلة للدمج أو التعايش؟ وأين توجد التناقضات التي تجعل الجمع مستحيلًا؟ إذا كان المقال الأول قد فكك الخريطة، وهذا المقال أعاد رسم خطوطها الكبرى، فإن السؤال القادم هو الأصعب: هل يمكن صناعة مشروع سوداني واحد من مشاريع متنافسة، أم أن مستقبل السودان سيظل محكومًا بتوازن مشاريع متعددة؟
