لم يعد هناك متسعٌ للمجاملة، ولا وقتٌ لزخرفة الكلمات؛ فالأبيض لا تعاني فحسب، بل تُحتضر! الأبيض، عروس كردفان ورمز كبريائها، تُذبح اليوم جهاراً نهاراً بسكين “انعدام الوقود”. إن ما يحدث في هذه المدينة ليست أزمة طارئة يُمكن إدراجها في خطط الطوارئ المؤجلة، بل هو جريمة خنق جماعي مع سبق الإصرار والترصد، يدفع ثمنها إنسانها الصابر من دمه وعرقه ووجوده.
كيف يصمت ضمير دولة، ويبيت مسؤولٌ هانئاً، وجالون البنزين في الأبيض قد قفز إلى رقم فلكي يبعث على الجنون(250 ألف جنيه)؟ ربع مليون جنيه !! هذا ليس سعراً لسلعة، هذا صكّ إعدام لحركة الحياة. لقد أُصيبت المدينة بشلل كامل؛ توقفت المواصلات، وتجمدت الشرايين، وتحولت شوارع الأبيض إلى بوادي من الشقاء، لا يتحرك فيها إلا بؤساء يمشون على أقدامهم الحافية والمتعبة تحت هجير الشمس الحارقة، يبحثون عن سراب عيشٍ كريم. إن المدينة تجف، والحياة تنهار، والناس يواجهون جحيماً لا يُطاق!
لقد تجاوزت هذه الكارثة حدود التنقل، لتهدم كل سياج يحمي حياة الإنسان:
- المستشفيات خرجت من الخدمة: تحولت قلاع الطب إلى مقابر مظلمة بعد أن انطفأت المولدات، وصار المرضى في غرف العناية والعمليات يلفظون أنفاسهم الأخيرة في انتظار “لتر وقود” يعيد النبض للأجهزة المتوقفة.
- الظمأ القاتل: انعدم الماء تماماً وغارت الآبار، وصارت جرعة الماء النقي أمنية بعيدة المنال، في مشهد سريالي لا يحدث إلا في بلاد نسيتها يد الرعاية والمسؤولية.
- ركود الموت في الأسواق: توقفت حركة البيع والشراء، وخيّم الكساد والفقر، وبدأ الخوف الثقيل يتسلل إلى النفوس، وعلا حديث المغادرة والنزوح. نعم! أهل الأبيض يفكرون في هجر ديارهم فراراً بجلودهم من وطأة الموت البطيء!
اسمعوها واضحة مدوية: إن لم يُتدارك هذا الأمر فوراً وبلا إبطاء، فإن هناك وعداً غير مكذوب بحدوث كوارث إنسانية وصحية شاملة.. الله وحده يعلم مداها، ولن ينجو من شررها أحد!
فأدرك يا سيدي الرئيس أهلك في مدينة الأبيض.. قبل أن تصبح المدينة أثراً بعد عين!
فمن وسط هذا الحريق، ومن بين آهات الجوعى وعطش الأطفال ودموع المرضى، نرفع هذا النداء القاسي والجريء إلى السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي .
إننا لا نطلب مستحيلاً، ولا نلتمس وعوداً تسكنها البيروقراطية والخطابات الميتة. إننا نطالب بقرار سيادي حاسم وسريع، يوجه بتوفير الوقود فوراً لإنقاذ المدينة، خصماً على المخزون الإستراتيجي للدولة . هذا المخزون وُجد لحماية الشعب في الملمات، وليس هناك ملمّة أعظم من موت مدينة بكاملها.
إن الأبيض التي كانت وما زالت صمام أمان الوطن، تستغيث اليوم بكل ما تملك من رمق. إنها أمانة في عنقك يا سيادة الرئيس، والتاريخ لن يرحم المتخاذلين، ودماء الأبرياء وعطش الصغار سيلاحق كل من بيده القرار ولم يحركه هذا الأنين.
أدركوا الأبيض.. فقد بلغ السيل الزُّبى، وبات الانفجار قاب قوسين أو أدنى!
اللهم قد بلغنا.. اللهم فاشهد.
