● صناعة “الآخر”… كيف تتحول الهوية إلى سلاح؟
☆في الحلقة السابقة تناولنا كيف تشكّل العقل الجمعي السوداني عبر تراكمات التاريخ والجغرافيا وبنية الدولة، وكيف بقيت بعض أنماط الوعي التقليدي فاعلة داخل دولة حديثة لم تكتمل شروطها بعد. وخلصنا إلى أن الأزمة ليست في تعدد السودان، بل في الطريقة التي أُدير بها هذا التعدد.
في هذه الحلقة ننتقل إلى مستوى أكثر حساسية داخل بنية الوعي الجمعي، وهو: كيف تتحول الهوية نفسها من مساحة طبيعية للانتماء، إلى أداة لإنتاج “الآخر” وصناعة الخصومة داخل المجتمع؟
فالهوية في أصلها ليست مشروع صراع، وإنما إطار تعريف. يعرف الإنسان نفسه من خلالها، ويتعرف على الآخرين عبرها. لكن المشكلة تبدأ عندما تُحمَّل الهوية بما يتجاوز وظيفتها الطبيعية، فتتحول من “من أنا؟” إلى “من نحن ضد من؟”.
وهنا يبدأ الانزلاق الأول نحو صناعة “الآخر”.
إن “الآخر” لا يولد اجتماعياً بشكل جاهز، بل يتم إنتاجه عبر سلسلة من التمثلات الذهنية والرمزية. تبدأ العملية بتبسيط الواقع إلى ثنائيات حادة: خير/شر، نحن/هم، وطني/غير وطني، أصيل/دخيل. ومع تكرار هذه الثنائيات في الخطاب العام، تتحول تدريجياً إلى ما يشبه الحقائق غير القابلة للنقاش.
ثم تأتي مرحلة أخطر، وهي تحويل هذه الصور الذهنية إلى “هوية سياسية”. أي أن يصبح الانتماء نفسه معياراً للحكم على الإنسان، لا أفعاله ولا مواقفه. في هذه اللحظة، لا يعود النقاش حول الفكرة، بل حول صاحبها.
وتلعب الأزمات دوراً محورياً في تسريع هذه العملية. فحين تتراجع الدولة أو تضعف المؤسسات، يبحث المجتمع عن تفسير سريع ومباشر لما يحدث، وغالباً ما يتم اختزال التعقيد في “فاعل بشري محدد” يُحمَّل المسؤولية. وهكذا يُصنع “الآخر” بوصفه سبباً جاهزاً لكل اختلال.
ولا تقتصر صناعة “الآخر” على السياسة فقط، بل تمتد إلى الإعلام والخطاب الديني والاجتماعي، بل وحتى الثقافة اليومية. فالنكتة، والتعميم، والحكايات المتداولة، كلها تساهم في إعادة إنتاج الصورة النمطية نفسها، حتى تصبح جزءاً من الوعي غير المعلن.
ومع الزمن، لا يعود “الآخر” مجرد تصور، بل يتحول إلى موقف سلوكي: تمييز، إقصاء، خوف، أو عداء صريح. وعند هذه النقطة تصبح الهوية نفسها ساحة صراع، بدلاً من أن تكون مساحة تعايش.
وفي الحالة السودانية، لم تكن هذه الظاهرة غريبة عن الواقع السياسي والاجتماعي. فقد ساهم تراكم الأزمات وضعف المشروع الوطني الجامع في ترسيخ سرديات متقابلة بين المكونات المختلفة، بحيث صار كل طرف يرى نفسه في مواجهة الآخر، لا في شراكة معه داخل وطن واحد.
لكن من المهم التأكيد أن المشكلة ليست في التنوع، بل في طريقة تفسيره وتسييسه. فالتنوع في حد ذاته يمكن أن يكون مصدر قوة وإثراء، لكنه يتحول إلى خطر عندما يُدار بمنطق الإقصاء لا بمنطق الشراكة.
ومن هنا يظهر الفرق بين “الهوية الطبيعية” و”الهوية المصنّعة”. الأولى تُبنى على الانتماء الإنساني والثقافي، بينما الثانية تُصنع داخل دوائر الصراع السياسي، وتُستخدم كأداة تعبئة وتحشيد.
إن أخطر ما في صناعة “الآخر” أنها لا تضر الطرف المستهدف فقط، بل تضر المجتمع كله، لأنها تعيد تشكيل الوعي على أساس الخوف لا على أساس الثقة، وعلى أساس الشك لا على أساس المواطنة.
ولهذا فإن تفكيك هذه البنية الذهنية لا يتم بالشعارات، بل بإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، بحيث تصبح الدولة هي المرجعية الأولى للحقوق والواجبات، لا الانتماءات الثانوية.
كما يتطلب الأمر إعادة ضبط الخطاب العام، بما في ذلك الإعلام والتعليم والسياسة، بحيث يُعاد تعريف الاختلاف باعتباره حالة طبيعية، لا تهديداً وجودياً. فالمجتمع الذي يخاف من اختلافه، هو مجتمع لم ينجز بعد مشروع الدولة الحديثة.
إن تجاوز “صناعة الآخر” لا يعني إنكار الاختلاف، بل يعني تحريره من الاستخدام السياسي السلبي. فحين يصبح الاختلاف مصدر معرفة لا مصدر صراع، تتحول الهوية من جدار يفصل الناس إلى جسر يربطهم.
وهنا فقط يمكن القول إننا بدأنا فعلاً في الانتقال من مجتمع يُدار بالانقسام، إلى مجتمع يُدار بالتعدد.
──────────────────
في الحلقة القادمة…
المظلومية السياسية… كيف تتحول الحقوق إلى وقود للصراع؟
سنناقش كيف تتحول القضايا العادلة إلى سرديات صراع سياسي، وكيف تُستخدم المظلومية في إعادة إنتاج الاستقطاب، ولماذا تفشل بعض المطالب المشروعة في الوصول إلى حلول رغم عدالتها الظاهرة، وما العلاقة بين المظلومية وبنية الدولة نفسها.
──────────────────
هذه المقالة جزء من مشروع فكري متسلسل بعنوان “إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني”، وتُقرأ ضمن سياقها العام، حيث تمثل كل حلقة لبنة في بناء رؤية فكرية متكاملة لإعادة فهم الدولة السودانية وإعادة تأسيسها على أسس جديدة.
