الأربعاء, يوليو 1, 2026
الرئيسيةمقالاتنزعة التأمل الكوني والروحانية عند أربعة شعراء معاصرين "محمد عبد الباري السودان...

نزعة التأمل الكوني والروحانية عند أربعة شعراء معاصرين “محمد عبد الباري السودان “جاسم الصحيح السعودية” احمد بخيت مصر” “أجود مجبل العراق. كتب/ د. سعد عبد القادر العاقب


الإطار النظري للدراسة :
من أعمق الأشعار وأبعدها غورًا، تلك النصوص التي تتعلق بالجانب النفسي الروحي العميق للشاعر في خلوته وانفراده وبعده عن التفكير السطحى البسيط في بث معاني الشعر، ونزوعه إلى الجانب الفلسفي التأملي، فتأتي نصوصه في هذا الجانب صورًا من الحيرة والتفكير العميق في مظاهر الكون والخلق، وهذا الجانب التأملي مما يدفع الشاعر إلى التعلق بالسماويات وما فيها من أسرار يسعى بشاعريته إلى اكتشافها أو تصورها أو التقرب منها، ثم إنه يبين عجزه عن إدراكها، لأن الشاعر مهما سما بروحه فإنه لا يخرج من طوق البشرية إلى ماهو أعلى منها، وفي كتاب المقابسات لأبي حيان التوحيدي 400هـ إشارة إلى عجز الإنسان عن إدراك كثير من الحقائق فهو يرى أن “من الحكمة في هذا الإغفال أن الله تقدس اسمه، يتميز بذلك القدر المُغْفل، والقليل الذي لا يؤبه له، والكثير الذي لا يحاول البحث عنه، أمراً لم يكن في حساب الخلق، ولا فيما علموا فيه القياس واختلط بالتقدير والتوهم.” وهذه السمة البشرية ظهرت في قصائد الشعراء التي تنزع إلى الفلسفة والتأمل والروحانية، ولأن الشعراء أظهروا أثر التأمل الكوني في أشعارهم أكثر مما يظهره العامة في أقوالهم، فإن بعض النقاد أشار إلى وقوع الشعراء في مصائد البحث عن الحقائق ثم العجز عن إدراكها، فصارت تلك الحقائق أشبه بالأساطير، وفي هذا السياق يقول إستانلي إدغار هايمن في كتابه النقد الأدبي ومدارسه الحديثة : “أن الأساطير العظيمة ليست أوهاماً بل هي منطوق النفس الإنسانية كلها وهي من ثم لا يحيط بها التأمل ولا نأتي على كل ما فيها وهي ليست متعة أو معاذاً للهرب حتى يتطلبها من يتطلبها للراحة والفرار من حقائق الحياة القاسية ولكنها هي تلك الحقائق القاسية نفسها معروضة ممثلة، هي الإدراك الرمزي لتلك الحقائق ومحاولة لخلق الانسجام فيما بينها وتقبلها بالرضى. ومن خلال تلك الأساطير تستجمع إرادتنا وتتوحد قوانا وينضبط نمونا ومن خلالها أيضاً يتزن كياننا المضطرب ويلتئم وجودنا المشعث”. فعند ستانلي اقترن التأمل الكوني في نفوس الشعراء بالشقاء ومحاولة التفلت من مصاعب الحياة، أو البحث عن حياة لا تكون إلا في خيال الشاعر، في هذه الدراسة اخترت أربعة من الشعراء المعاصرين هم : محمد عبد الباري من السودان، وجاسم الصحيح من السعودية، وأجود مجبل من العراق، وأحمد بخيت من مصر، إذ وجدت في أشعارهم ما ذهب إليه النقاد والفلاسفة من وصف الإنسان بالعجز عن إدراك الحقائق وانبعاث التأمل في نفسه.
عمق التفكير في الخفي من الحقائق يكون مبعثه أحيانًا دينيا متصلا بالقداسة في نفس الشاعر، فهو قد وقر في عقله أن تلك الحقائق الخفية مما يجب الإيمان بها مع التفكير فيها. سمة التأمل الكوني عند الشعراء تكون في البيئات لتي يغلب عليها التدين، ذلك وهي سمة في الأدب العربي والآداب العالمية الأخرى، أشار إليها النقاد المحدثون، ومن ذلك إشارة عمر الدسوقي في كتابه الأدب الحديث إلى وجود تلك السمة بقوة عند الشعراء السكسونيين وغيابها أو ضعفها عند الفرنكفونيين، فهو يرى أن البيئة الصارمة التي عاش فيها السكسونيون “أورثتهم المحافظة على التقاليد والتدين، ولا شك أن الوحدة والانفراد -وهما آثر من آثار الكآبة والانقباض- جعلتهم يكثرون من نجوى أنفسهم ومن التأمل في الحياة وخلقها وخالقها، وربما رجعل هذا الميل إلى التدين والتمسك الشديد بالتقاليد إلى أصلهم السكسوني؛ وبينا ترى الفرنسي يعيش في عالم الواقع ويبحث دائمًا في تصرفات الإنسان ويحللها، وترى الألماني السكسوني يتجه دومًا نحو الله، ونحو أسرار هذا العالم الخفي وقد صبغت الرومانتيكية الألمانية في القرن الثامن عشر بالبحث فيما وراء الطبيعة، واشتهرت بقصص الجن، والشياطين، والمفزعات من كل نوع، وأخذ الإنجليز عنهم هذا النوع من القصص وأحبوه وفتنوا به)
التطبيق :
إن نظرية التأمل الكوني وتأثيره في الشاعر كانت من دوافع النقاد إلى تتبع هذه الظاهرة، لا سيما بعد انتشارها في العصر الحديث، وهو مما شعّب مذاهب النظر للكون وأسراره عند شعراء العصر، ولننظر في أربعة نصوص لهؤلاء الشعراء الأربعة، فالشاعرمحمد عبد الباري في قصيدته “أشواق الضفة الأخرى” اختار عنوانا يدل على مغايرة ما هو فيه من الحياة بين العامة، فالصفة الأخرى غربة الشاعر وبعده عن عالم المعتاد، ويدل أيضا على طلب حثيث لإدارك أسرار أعجزته بشريته عن إدراكها، ففر بعقله إلى معرفة الله بمظاهر الكون التي أمامه، ويفصح عن تعبه في البحث عن حقائق الكون، وتظهر حيرته في تكثيف الألفاظ التي تدل على تلك الحيرة والانجذاب إلى “اللا معلوم” مثل “اللانهائي” ” الهيولى” التي تعني الهباء أو ما شابهه، وهي أيضا من مصطحات التصوف كما جاء في كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي 1158هـ، وهي في قصيدة محمد عبد الباري تشير إلى تلاشي المادة في نفس الشاعر وجنوحه إلى الروح الخفي، كذلك استخدم الشاعر تعابير تدل على تعبه في البحث عن الحقائق المعجزة مثل : “ضد ينازع ضدا” ” الغامض المتواري “، وهذا التعبير هو الأدق والأعمق تصويرا لحيرة الشاعر في حقائق الكون والخلق، فإن الغامض المتواري هنا هو روح الشاعر نفسه، وإحساسه بها مع عجزه عن معرفة حقيقتها، فألجأه ذلك الغموض والتواري إلى التعزي بالظاهر من الخلق والكون مثل البحر والزلازل والفيضان وغير ذلك من مظاهر الطبيعة التي تراها العين يومَ يومَ من غير جهد وتعب، وهذه أبيات قصيدة محمد عبد الباري التي بث فيها تأمله في الكون والخلق :
أودُّ أن أتناهى في اللهِ كي لا أودّا
وأن أكونَ خفيفاً على المنازلِ جدّا
وأن أرى معجزاتي تقولُ: لن أتحدّى
لقد تعبتُ وصمتي نأى وصوتي استبدّا
قد كنتُ – مثل الهيولى – لكل شيء مُعدّا
لا وجه لي غير وجهٍ ضدٍّ ينازعُ ضدّا
من بعدِ ألف انقلابٍ قررتُ ألا أعُدّا
كم قلتُها :يا وقوفي كن للزلازلِ ندّا
ويا وجودي هنا ضعْ للانهائيّ حدّا
ويا ارتجاليَ قلني من دون أن تستعدّا
والآن والبحرُ يمشي عليّ جزرا ومدّا
والغامض المتواري أعارني واستردّا
قد آن يا فيضاني ألا تناقشَ سدّا
تعالَ لي يا خلاصي لا لم أجدْ منكَ بُدّا
وفي هذا المضمار من تعميق التفكير والتأمل الكوني في الشعر جزء من قصيدة للشاعر جاسم الصِّحَيِّح عنوانها “خيمة من الهواجس على رابية الأربعين” وهي قصيدة طويلة أظهر حيرته في الكون والتفكير في حقائقه الخفية في الجزء :
ودخلتُ في المرآةِ ..
نَظَّفتُ الغشاوةَ حول ذاكرة الزجاجِ
فلم أَجِدْني في ملامحِ صورتي
وكأنَّني ضَيَّعتُ في الغُرُباَتِ أصليَ
وانزلقتُ إلى حدود اللاَّ وجود..
هناك أَوْقَفَني المجازُ وقال :
كُنْ مرآةَ ذاتِكَ كي ترى المرآةَ
أصدقَ من عيون الصقر في لغةِ البريقْ
انعكاس صورة الشاعر من المرآة أكثر جزء يكشف الحيرة، وهو قد عمق هذه الصورة الحائرة بكلمة “الهواجس” في عنوان القصيدة، كذلك استخدم بعض التعابير التي تشير إلى العجز عن إدراك الحقائق مع التعب في البحث عنها، وهذا الجانب يدل على الاستسلام للمعجزة، ففي قوله : “لم أجدني في ملامح صورتي” أقوى إشارة إلى ذلك العجز، ذلك لأن ضمير المتكلم في أجدني يدل على أن الشاعر يبحث عن روحه بين أنقاض المادة التي فيه، فللا يستطيع إلى الروح سبيلًا، رسم الصحيح صورة للحيرة والنفور عن الظاهر المادي إلى الخفي الروحي بقوله : ” وانزلقتُ إلى حدود اللاَّ وجود” إن اللاوجود هنا حقائق الكون التي سبق أن أشرت إلى عجز الإنسان عن إدراكها في قول أبو حيان التوحيدي السابق في كتاب المقابسات. وفي كتاب الأدب الحديث لعمر الدسوقي.
النص الثالث في هذه الدراسة للشاعر أجود مجبل، وهو من قصيدته “سوق الشيوخ” مكان مولده، والجزء الذي خصصة للتأمل في قصيدته، حصره في تأمل نفسه وحيرته في منشئها، وما فيها من تناقض بين المعلوم واللامعلوم، ويظهر تجسيده للتناقض بين المادة والروح في البيت الأول، حيث جمع بين الإضاءة والتلف، في إشارة واضحة إلى المادة التي تحترق لينشأ من احتراقها الضوء، والضوء هنا روح الإنسان وعقله والتلف الجسد الذي يفنى بسبب التفكير في الظواهر الكونية، أما الحيرة التي جمعت بين الشعراء الأربعة، فقد ظهرت في ألفاظ أجود مجبل، في “تمويه العدم” في قوله : “مموها عدمي” فليس العدم هنا سوى عجز الشاعر عن إدراك بعض الحقائق، وهو مبدأ الشك في ما تراه العين، كذلك كلمة “الهباء” التي عبر بها أجود مجبل عن العدمية، هي مرادف للهيولى التي استخدمها محمد عبد الباري، في تصوير العدم أو شبهه.
أنا من فاضتِ الكشوفُ به وأنا من أضاءه التلفُ
لابسًا برقَ قُبلةٍ خفقت نسِيَتها شفاهُ من حذفوا
حاملا بهجةَ السفرجلِ لم يرتبك في أصابعي الخذفُ
أبتني في الهشيمِ أروقةً ومن اللامكانِ أغترفُ
وملما بشكِّ بوصلةٍ مع كل البحارِ تختلفُ
كنت أعدو مموِّها عدمي حيث لا ملجأٌ ومنعطفُ
المدى فيّ راكضٌ وعلى شفتيَّ اللغاتُ تنجرفُ
يا فيوضَ الهباءِ ها أنذا كمياهِ الطقوسِ أنجرفُ
هتفت خلفيَ السهولُ هوىً والمريدون كلُّهم هتفوا
أيها المستنيرُ لا جهةٌ وجْدُ عينيك عندها يقفُ
البيت الأخير في هذا الجزء من قصيدة أجود مجبل تعميق لاستحالة إدراك الشاعر ما يريده من معرفة الحقائق، وعودته إلى المعلوم المعتاد عند العامة، فإن السهول- وهي الطبيعة التي يلجأ إليها – قد خبرته مع البشر باستحالة ما يسعى إليه، وربما يكون معنى قوله هذا أنه انعزل بتفكيره عن تفكير الطبيعة الصامتة والإنسان، فصار كائنًا منفردا لا يألف ما حوله، لأن ما حوله لا يفهم ما يريده هو بروح الشاعر.
النص الرابع الأخير للشاعر أحمد بخيت، وهو جزء من قصيدته ” ليلي شهد العزلة” وتتجلى فيه نظرة تأثير التدين في عمق التأمل الكوني، فهو يمظر في خلق نفسه مثل أجود مجبل، لكن تأثير التدين هنا أقوى، ويظهر الشاعر في مطلع القصيدة حيرته وعحزه عن الذي يسعى إليه عقله بعد أن لاذ بالعزلة، وعبر عن حيرته بقوله :
رأيتُ الصمتَ
والنسيانَ
يجتهدان دون ضجيجْ
وأبواباً بلا معنى
دخولاً مرةً وخروجْ
حيث لم يكن للشاعر غير الاستسلام للظاهر، بعد أن تعب من البحث عن الخفي، وذلك أنهلجأ إلى الصمت والنسيان. وقد صور أحمد بخيت الإنسان ووجوده في الدنيا شيئًا عابرًا لا يبقى، إشارة إلى الخلود المفقود الذي يطلبه الشاعر بتعبه في البحث عن الروح، والمدخل إلى الشقاء الذي يولده التفكير العميق، قول الشاعر : ” وغاية شهوة الكلمات أن تغتال مبدعها” ثم صور أحمد بخيت شقاء العقل الإنساني بتفكيره في الموت والفناء، وما يتخيله في الحياة الأخرى، وصلة الروح بالجسد، وافتراقهما، ثم بقاء الروح وتحلل الجسد، وحياة البرزخ، وهو في ذلك يفر بشاعريته من الواقع الذي يعيش فيه بتخيل عالم آخر غير العالم الذي يشارك فيه الشاعر عامة البشر الحياة والمادة،
أنا ضيفٌ
على الدنيا
وأوشكُ أن أودّعها
وُلدتُ
بحضنِ قافيةٍ
وأختمُ رحلتي معها
وغايةُ شهوةِ الكلماتِ
أن تغتالَ مبدعها!!
أراوغُ
شهوتي للموتِ
منذُ صرختُ
في الميلادْ
وأعبرُ برزخي
وأعودُ
منتصراً
على الأبعادْ
لكي أصطادَ خُلدَ الروحِ
قبل تحلّلِ الأجسادْ
إن النظر في الكون من سمات الإنسان في كل زمان ومكان، فالإنسان جزء من الكون والخلق، وهو الشعور الذي اعترى الشعراء الأربعة الذين اخترتهم، لأن جدلية “النفس والكون” ظلت قائمة في نفوس المفكرين والشعراء من غير أن تحسم، وقد نظر هؤلاء الشعراء ـ كغيرهم ـ في الظاهر من الكون ومن محيط الخلق الذي يطوقهم ولا يدركون كيفية وجودهم فيه، لذلك يطول تفكيرهم في الكون، ثم تخرج ثمرات التفكير والتأمل في مزج النفس الكامنة بالمظاهر الكونية الغامضة الخفية، فتعتري الشاعر حالة من القلق يعبر عنها شعريًّا بألفاظ تناسب الحيرة في الغموض كما رأينا في نصوص الشعراء الأربعة المختارين في هذه الدراسة، ويمكن القول إن الشعراء الأربعة عبّروا بتلقائية عن منهج عقلي إنساني، يرى مظاهر الكون والنفس البشرية مزيجًا لا ينفصل عن بعضه البعض، لكنهم صاغوا التفكير العقلي بلغة أدبية شعرية.
صياغة الأفكار الشعرية عن حقائق الكون لا تخلو من المنطلق الفلسفي الذي ساد عند بعض الرومانسيين في عقود سابقة من القرن العشرين، ثم امتد حتى أيامنا هذه، كرومانسية التيجاني يوسف بشير وفلسفته حين ينظر في مظاهر الكون، كقوله :
قَطرات مِن الصِبا وَالشَباب الغَض مُنسابة بِهِ مُنساقَه
وَرِهام مِن رُوحي الهائم الولهان أَمكَنَت في الزَمان وَثّاقَه
ظَلَ يَهفو إِلى السَماء وَيَشكو لَوعَةَ الروح ها هُنا وَاِحتِراقَه
يَتحدرن مِن مَعابد أَيامي حَنيناً أَسمَيتُهُ إِشراقَه
سمة التفكير العقلي في الكون عند الإنسان، ومزجها بالنفس أشار إليها كثير من المفكرين والأدباء، ويمكن النظر في كتاب النظرات للمنفلوطي، وحديثه عن السريرة في قوله : “لو كشف للإنسان عن سريرة الإنسان لرأى منها ما يرى من غرائب هذا الكون وعجائبه أعمى أدركته رحمة الله بعد طول محنته فارتد بصيرا. تتراءى لك السريرة في ظاهرها كأنها أديم السماء، أو صفحة الماء، فإن بدا لك أن تكتنه باطنها فإنك غير بالغ من ذلك مأربك إلا إذا استطعت أن تخترق السماء فترى ما وراءها من بدائع الكائنات، وتغوص في أعماق الماء فتشاهد ما في باطنه من عجائب المخلوقات”
التأمل الكوني عند الشعراء الأربعة جانب روحاني في الشعر يتحرر من قيد الوصف المجرد لظواهر الكون إلى تبيين عظمتها وتعب العقل في البحث عن أصلها وكنهها، وصلتها بتقلبات النفس البشرية يين الرغبة في الحياة الهادئة، ونزوع العقل إلى تعب التفكير، وهي الحالة الشاعرية التي تتناقض عناصرها في داخل نفس الشاعر، إنها الظاهرة الأدبية النفسية التي ذكرها الرافعي في وحي القلم، حين تحدث عن روحانية الإنسان في اتصاله العقلي بالكون وعظمته وغموضه، حين قال : ” يتصل الرجل الروحاني بذاته الباطنة، فيوقع شخصه الظاهر في الاستهواء، فينكشف له الوجود، ويبصر ما يقع على البعد، ويرى ما هو آت قبل أن يأتي؛ وما الكون في هذه الحالة إلا كالمعشوق يقول لعاشقه الذي وقع في قلبه الحب: قد آتيتك نورًا تنظر به جمالي”
التعبير عن الحيرة في الخلق والكون، تكون هجرة وابتعادا عن المعتاد، لا سيما حين يفارق الإنسان موطنه لسبب من الأسباب، جاء في كتاب “في الأدب الحديث” ، لعمر الدسوقي عن شعر المهجريين، “ويتسم الشعر المهجري -بعامة: شماليه وجنوبيه- بهذه٧ الحرية في التعبير وبالتأمل في الكون وفي الإنسان فردًا وفي المجتمع وفي الطبيعة وفي حقيقة الوجود والبحث عنها، وفي النزعات التصوفية عند اشتداد الأزمات النفسية” يمكن أن يقع التشابه بين المهجريين وشاعر واحد من الأربعة المختارين في هذه الدراسة، وهو الشاعر السوداني محمد عبد الباري الذي طالت غربته عن وطنه السودان، أما الثلاثة الآخرون، فإنهم يقيمون في أوطانهم، لكن الغربة التي دفعت الشعراء الأربعة للتفكير في الكونيات ليست غربة أرضية ملموسة، بل هي غربة معنوية روحية تعتري الشاعر حتى وهو في وطنه وبين أهله. كذلك مما تمير به الشاعر محمد عبد الباري في هذا الجانب إظهار روح التصوف التي تميل إلى التفكير في الكون ودقائقه، وهو كتصوف محمد عبد الحي الذي ذكره إحسان عباس في كتابه “اتجاهات الشعر العربي المعاصر”، إذ يرى أن “تصوف محمد عبد الحي استخدام للرموز الصوفية الإسلامية للتعبير عن الحقائق الكونية”

*
المراجع
اتجاهات الشعر العربي المعاصر، إحسان عباس، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت، ط 1، 1978م
إشراقة، ديوان ، التيجاني يوسف بشير، المطبعة الوطنية، الخرطوم، 1949م
في الأدب الحديث، عمر الدسوقي، دار الفكر العربي، 2000م
كشاف اصطلاحات الفنون، محمد بن علي التهانوي، نقله من الفارسية/ عبد الله الخالدي، مكتبة لبنان، ط1، 1996م
النقد الأدبي ومدارسه الحديثة، إستانلي إدغار هايمن، ترجمة / إحسان عباس، در الثقافة، بيروت، ط1، 1958م
المقابسات، أبو حيان التوحيدي، ت / حسن السندوبي، دار سعاد الصباح، ط2، 1992م
النظرات، مصطفى لطفي المنفلوطي، دار الآفاق الجديدة، ط1، 1982م
وحي القلم، مصطفى صادق الرافعي، دار الكتب العلمية، ط1، 2000م


موقع الديوان الإلكتروني، شعر محمد عبد الباري، شعر جاسم الصحيح، شعر أجود مجبل، شعر أحمد بخيت

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات