الأمم لا تفقر لندرة الموارد ولا تتأخر لغياب العقول وإنما لعجزها عن إدارة ما تملك. فالتاريخ يؤكد أن دولاً نهضت فوق أرضٌ قاحلة وجرداء لأنها امتلكت قوة الإرادة والرؤية (سنغافورة). بينما سقطت أخرى رغم وفرة المياه والارض والمعادن، لأنها فقدت الرؤية التي تجعل الكرامة الإنسانية قبل الموارد محوراً للتنمية.
من هنا تكتسب الفكرة التي طرحها المؤرخ والاقتصادي كارلو شيبولا أهميتها. فهو لا ينظر إلى الغباء بوصفه نقصاً في الذكاء أو التعليم، وإنما باعتباره نمطاً من السلوك، يصدُر من أي إنسان مهما بلغ علمه أو مكانته ويُعرّف شيبولا الانسان الغبي بأنه من يلحق الضرر بنفسه وبالآخرين، (يهدم المعبد على الكل “علىّ وعلى الاخريين”)، دون أن يحقق منفعة حقيقية لأحد.
يرى شيبولا أن الاغبياء كُثُر والغباء ليس حكراً على طبقة اجتماعية أو مستوى تعليمي أو ثقافي بعينه بل ظاهرة إنسانية تتوزع بين جميع الفئات من حملة جائزة نوبل ومن ارفع الدرجات العلمية والثقافية الي عامة الناس، فالمال والشهادات والمكانة الاجتماعية لا تمنح حصانة من الغباء لذلك يوجد في كلّ مجتمع من يضُرّ بنفسه وبالآخرين، وهو ما يُفسر جانب من تعثر المجتمعات وهي تظن أنها تمضي نحو الأفضل.
فالانسان الذكيّ هو من يقدم منفعة مشتركة، يربح هو والآخرين معه. أما الانتهازي فيسعى لربحه الخاص ولو ثمنه خسارة غيره. والساذج يخسر ليمنح غيره ما لا يحسن استثماره. أما الغبي فهو الذي يخسر ويجعل الجميع يخسرون، (عليَّ وعلى اعدائي)، لأنه لا يدرك العلاقة بين الفعل ونتيجته، وبين القرار ومآلاته ويظن انه يُحسن صُنعا.
هذه التصنيفات لا تتحدث عن أشخاص بقدر ما هي أوصاف لطرق التفكير وأنماط السلوك. فقد يتصرف الفرد بذكاء في موقف، وبانتهازية في آخر، وبسذاجة أو بطيش في ثالث إلا الغبي يظل أسير نمط واحد دوماً يخسر ويُخسّر من حوله. لكن المأساة تبدأ عندما تتجاوز حدود السلوك الفردي لتصبح ثقافة عامة، ومن تصرفات معزولة الي مؤسسات تعيد إنتاجه بصورة مستمرة .
وهنا يفرض الوطن نفسه مثالاً جديراً للتأمل. فالوطن ليس فقيراً في موارده، ولا محدوداً في تنوعه. تتجاور فيه الأعراق والثقافات واللغات والبيئات وتمتد فيه الأراضي الخصبة مدّ البصر وتجري فيه الانهار والوديان وتختزن باطن أرضه ثروات معدنية هائلة فضلاً عن طاقات بشرية أثبتت بجدارة تميزها وصدقها كلما وجدت بيئة عادلة ومنظمة.
ولكن المُحير لماذا ظل هذا التنوع وقوداً للصراع اكثر من كونه مصدراً للإبداع؟ ولماذا فشلت الثروات في ان تكون أساساً للتكافل فتحولت الي ميدان للصراع؟ وكيف عجزت المقومات التي كان يفترض أن تصنع قوة وطنية ومشروع جامعاً فتحولت إلى بؤر للاقتسام؟.
وما يفاقم الاشكال أننا ظللنا نبحث عن أسباب الأزمة في نقص الإمكانات بينما تكمن في طريقة ادارتها. فقد تعامل النخب (الافندية) مع التنوع بوصفه عبئاً لا ثروة، وغلبت الولاءات الضيقة على فكرة المواطنة، فأضحى الانتماء وسيلة لاقتسام السلطة والموارد بدل ان يكون ركيزة لمشروع وطني جامع. هكذا تحولت السياسة من أداة لبناء الدولة إلى إدارة للنزاع، فانفرط عقد التنوع وتبددت الثروات وضاع الوطن.
لم يقتصر الخلل على السياسة وإنما تسربت الي بنية الثقافة الاجتماعية، فبدل ان يكون الاختلاف مدخلاً للحوار، اصبح ذريعة للتصنيف والإقصاء، وغدا الإنسان يقاس بأصله قبل كفاءته وبانتمائه قبل عطائه وتحولت المحاصصة إلى معيار للاختيار، فتم تمكين الضعيف على حساب الكفاءة. وهنا لم يخسر الوطن أفراداً وإنما خسر اثمن ما يملكه إلا وهي الثقة بين مواطنيه، التي تُعدّ اساس كل نهضة وتقدم.
ثم جاءت المركزية لتضيف بعداً آخر للازمة. فتركزت الموارد والسلطة والخدمات في نطاق جغرافي محدود، بينما ظلت أطراف واسعة تشعر بالتهميش عن القرار وثمرة التنمية، وعندما يغيب الإحساس بالشراكة، يتحول الوطن في الوعي الجمعي من بيت يُبنى إلى غنيمة تُقتسم.
أما الاقتصاد فقد ظل أسيراً للاستهلاك والريع اكثر من الإنتاج. فلم تستثمر الأراضي الزراعية بما يليق بإمكاناتها، ولم تتحول الصناعة الي مشروع وطني واستنزفت الثروة المعدنية عبر التعدين العشوائى دون ان تصبح ركيزة لتنمية مستدامة، بسبب غياب الرؤية التي تجعل الثروة في خدمة الإنسان.
وفي التعليم انشغلنا بتكديس المعلومات اكثر من بناء العقول، واهتممنا بالكم اكثر من الكيف، فأهملنا تنمية التفكير النقدي وروح المبادرة. فخرّجنا اجيال تحفظ اكثر مما تحلل، وتردد اكثر مما تُناقش، في وقت كانت فيه الامم التي نهضت تستثمر في تعليم يحرر العقل وينمي الإبداع، ويغرس ثقافة العمل الجماعي (teamwork).
وكذلك دفعت الادارة العامة ثمن تقديم الولاء على الكفاءه، فضعفت المؤسسات، وأصبحت بعض المواقع تُمنح بمعايير لا علاقة لها بالخبرة أو الجدارة، وحين تغيب المؤسسية، يصبح بقاء الوطن رهيناً بالأفراد لا بالنظام، فإذا غاب الأشخاص غابت معهم الإنجازات، فالدول تبنى بالمؤسسات لا بالأفراد.
ولعل المأساة الكبرى تبدأ حين يفقد الخلاف السياسي حدوده، فيتحول من نافس على خدمة الوطن الي صراع إقصاء الخصم، عندها يصبح الانتصار على المنافس اهم من الانتصار للوطن. وحين تتحول السياسة إلى معركة صفرية، يخسر الجميع حتى من يظن أنه انتصر. وهنا تتجلى فكرة شيبولا اخطر السلوكيات هي تلك التي تفضي الي خسارة عامة دون أن تحقق منفعة حقيقية لاحد.
ومع ذلك لا تقود هذه القراءة إلى التشاؤم، فالأمم لا تُهزم بأخطائها، وأنما بعجزها من التعلُم منها وقدرتها على تصحيح المسار. الوطن لا ينتظر معجزة تنقذه بقدر ما يتطلب قراءة عميقة لطريقة التفكير التي أدارت الدولة والمجتمع، والي إرادة تعيد بناء المستقبل بعقل جديد.
لا يبدأ المستقل بتشييد المباني، وإنما ببناء الانسان، حين نُدرك أن التنوع قوة، والعدالة أساس الاستقرار، والثروة لا تثمر إلا بعقل مؤسسي، وأن الوعي هو البنية التحتية الاولي التي تُقام عليها كل نهضة.
الدول العظيمة لا تنتصر لأنها تمتلك اكثر، وإنما لانها تهدر أقل. ولا تنهض لانها تخلو من الاخطاء، بل لأنها تتعلم منها، وتحول التجارب القاسية إلى خبرة والانقسام الي عقد اجتماعي جديد والاختلاف الي طاقة الإبداع، (ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم) المشلكة ليست في الاختلاف أنما في طريقة إدارته.
ولعل الحكمة التي تستحق أن تكتب أنّ الأوطان لا يهزها الفاقة ولا الحصار ولا الحروب وحدها. وإنما يهزمها عجزُها ان تحويل اختلاف أبناءها إلى شراكة، وثرواتها إلى تنمية، وطاقاتها البشريه إلي مشروع حضاري. فإذا نجح المجتمع في كسر هذه الحلقة،فلن يغيّر اقتصاده فقط وإنما سيعيد صياغة مصيره ويكتب فصلاً جديداً من التاريخ.
abudafair@hotmail.com
