الجمعة, يونيو 26, 2026
الرئيسيةمقالاتالأبيض… حين ينتصر الصبر ويهزم الإيمانُ اليأس. ...

الأبيض… حين ينتصر الصبر ويهزم الإيمانُ اليأس. الكاتبة والإعلامية/ عبير نبيل محمد

ليست مدينة الأبيض مجرد بقعةٍ على خارطة السودان، بل هي حكاية وطنٍ يأبى الانكسار، وصفحةٌ مضيئة في سجل الصمود السوداني. كلما اشتدت عليها المحن، ازدادت رسوخًا، وكلما ظنّ المتربصون أن الحصار سيكسر إرادتها، أثبتت أن المدن العظيمة لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بعزيمة أهلها، وإيمانهم الذي لا تهزه العواصف.

عاشت الأبيض أيامًا ثقيلة الوطأة، واجهت فيها الحرب، والحصار، واستهداف الخدمات الأساسية، حتى غدت المياه نفسها أداةً لمضاعفة معاناة المدنيين. اشتد العطش، وضاقت السبل، وخُيّل للقلوب أن الغيم قد ابتعد طويلًا، لكن أهل الأبيض لم يسمحوا لليأس أن يجد إليهم سبيلًا، فالصبر كان زادهم، واليقين بالله كان قوتهم التي لا تنفد.

ثم جاءت السماء بما لا تملكه الأرض.

انهمر المطر على الأبيض، لا بوصفه نهايةً لكل معاناة، بل بوصفه نفحةً من رحمة الله، ورسالةً ربانية إلى القلوب المتعبة بأن الفرج قد يطرق الأبواب من حيث لا يحتسب الإنسان. ارتوت الأرض، ولامست قطرات الغيث الوجوه التي أنهكها الانتظار، فعاد إلى النفوس شيءٌ من الطمأنينة، وتجدد الأمل بأن رحمة الله أوسع من كل ضيق، وأن خزائن السماء لا يعجزها ما تعجز عنه خزائن الأرض.

لم يكن الغيث حلًا كاملًا للأزمة، لكنه كان هديةً من رب السماء بعد عطشٍ قاسٍ، وشاهدًا على أن الله لا ينسى عباده، وأن الصبر إذا اقترن بحسن الظن بالله، أثمر سكينةً قبل أن يثمر فرجًا.

لقد أثبتت الأبيض أن صمود المدن لا يُقاس بما تمتلكه من إمكانات، بل بما يحمله أهلها من عزيمة، وما يغرسونه في قلوبهم من إيمان، وما يجسدونه من تلاحم في مواجهة الشدائد. ففي المحن تتجلى معادن الشعوب، ويُعرف الرجال، وتبقى القيم هي السور الذي لا تهدمه الأزمات.

والتحية موصولة لكل من صبر، ولكل من رابط، ولكل أمٍ أخفت دموعها حتى لا تضعف قلوب أبنائها، ولكل أبٍ حمل همَّ أسرته، ولكل يدٍ امتدت لتعين محتاجًا، ولكل قلبٍ ظل معلقًا بالله، ينتظر رحمته ولا يفقد رجاءه.

ستظل الأبيض رمزًا للصبر، وعنوانًا للثبات، ودليلًا على أن الأمل لا يموت في القلوب التي تعرف ربها. وما هطول المطر بعد ذلك العطش إلا تذكرةٌ بأن الله إذا أراد لعباده رحمةً، جاءتهم من أبوابٍ لم تخطر لهم على بال.

لقد انتصر الصبر حين ظن الناس أن أبواب الفرج قد أُغلقت، وهُزم اليأس أمام إيمانٍ لم يتزعزع، فعادت السماء تُخبر الأرض أن وعد الله حق، وأن رحمته تسبق الشدائد، وأن بعد كل ضيقٍ سعة، وبعد كل عسرٍ يسرًا.

سلامٌ على الأبيض… مدينة الصابرين.
سلامٌ على الأرض التي ارتوت بعد ظمأ، وعلى القلوب التي لم ترتوِ إلا باليقين.
وسلامٌ على وطنٍ ما زال يؤمن بأن بعد العسر يسرًا، وأن بعد كل ليلٍ فجرًا، وأن رحمة الله إذا نزلت، بدّلت الوحشة سكينة، واليأس رجاءً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سلامٌ وأمان… فالعدلُ ميزان.

أنا الرسالةُ حين يضيعُ البريد،
وأنا امرأةٌ من حبرِ النار، لا تنحني للكلمة، بل تُقيم بها الحق.
أكتبُ ليبقى الأثر، وأؤمنُ أن للكلمة الصادقة وطنًا لا يموت.

✒️ عبير نبيل محمد
امرأةٌ من حبرِ النار

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات