الأحد, يونيو 21, 2026
الرئيسيةمقالاتآثار الحرب…الغربة والحنين كتبت: الإعلامية أسماء إدريس

آثار الحرب…الغربة والحنين كتبت: الإعلامية أسماء إدريس


هناك أوجاعٌ لا تُقاس بحجم الخسائر، بل بما تتركه من فراغٍ في الروح.
قبل أن تندلع الحرب اللعينة في وطني الحبيب بأربعةٍ وعشرين يوماً فقط، ودّعت أبي… رحم الله روحه الطيبة. ظننت يومها أن الحياة قد أخذت مني أعزّ ما أملك، ولم أكن أعلم أن ذلك الفقد سيكون بداية فصلٍ آخر من الوجع.
ثم جاءت الحرب، فغادرنا منزلنا قسراً، ونُهبت كل الأغراض التي جمعناها على مدار سنوات طويلة. لم تُسرق المقتنيات وحدها، بل سُرقت معها الذكريات، والصور، وتفاصيل الحياة التي كانت تمنح المكان دفئه. لم نفقد بيتاً فحسب، بل فقدنا جزءاً من العمر.
الغربة ليست مجرد بُعدٍ عن الوطن، بل هي أن تستيقظ كل صباح وجسدك في أرضٍ آمنة، بينما يظل قلبك معلقاً بالسودان.
نحن السودانيين الذين دفعتنا الحرب إلى النزوح، لم نحمل معنا حقائب السفر فقط، بل حملنا وطناً كاملاً في صدورنا. تركنا الأهل، والأصدقاء، والبيوت، والأحلام، ومضينا نبحث عن الأمان، بينما بقيت أرواحنا تلتفت إلى الوطن في كل لحظة.
واليوم أعيش في الغربة، أحاول أن أبني مستقبلاً في أرضٍ احتضنتنا ومنحتنا الأمان، وهي نعمة لا تُقدَّر بثمن، لكن الأمان لا يمحو وجع الفراق، ولا يطفئ الشوق لبلدٍ يسكننا مهما ابتعدنا عنه. فالقلب لا يعرف لغة الحدود، ولا يعترف بالجغرافيا، وما زال يشتاق لتراب السودان، ولأهله، ولكل زاوية تركنا فيها شيئاً من أرواحنا.
وأقف كل يوم أمام سؤالٍ يراود آلاف السودانيين: أين يكون الاستقرار؟ هنا… حيث الأمان، ، ؟ أم هناك… حيث الوطن، والذكريات، وقبر أبي، وكل ما يمنح الحياة معناها؟
إنها معادلة قاسية لا يفهمها إلا من اقتلعته الحرب من جذوره؛ أن يعيش الإنسان بجسده في مكان، بينما تبقى روحه في مكانٍ آخر. أن يبتسم من أجل أبنائه، وفي داخله وطنٌ ينزف، وحنينٌ لا يهدأ، وذكرياتٌ لا يعوضها شيء.
ورغم كل ما خلفته الحرب من فقدٍ ونزوحٍ ووجع، يبقى الأمل أكبر من الألم. فالأوطان قد تمرض، لكنها لا تموت، والإنسان قد يغادر أرضه، لكنه لا يستطيع أن يغادرها من قلبه.
سيعود السودان بإذن الله أكثر أمناً وسلاماً، وستعود معه الطمأنينة إلى القلوب. وحتى يحين ذلك اليوم، سيظل الوطن يسكننا، وسيبقى الدعاء رفيقنا:
اللهم ارحم أبي، وارحم كل من رحل، واحفظ السودان وأهله، واجبر كسر كل من أنهكته الحرب، وأعد إلينا وطناً آمناً، تتعانق فيه الذكريات مع الأمل من جديد.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات