.
)
على الرغم من أن القوانين السودانية قد أرست منذ زمن بعيد أصول المحاكمة العادلة، وأقرت حق الاتهام في عرض دعواه، وحق الدفاع في الرد عليها، وسمحت بالمرافعات الشفوية والمكتوبة، إلا أن الواقع العملني في كثير من المحاكم يشهد تراجعاً ملحوظاً في تطبيق هذه الأصول. فقد أصبحت بعض المحاكمات تُدار بصورة أقرب إلى الإجراءات الشكلية المختصرة، دون إتاحة الفرصة الكافية لخطب الاتهام والدفاع والمرافعات الشفوية التي تمثل جوهر العمل القضائي. وهذا الواقع أفرز ممارسات يمكن وصفها بالبدائية مقارنة بما استقرت عليه النظم القضائية الحديثة، ليس بسبب نقص النصوص القانونية، وإنما بسبب ضعف الالتزام بتفعيلها وإعمالها على الوجه الصحيح. ومن هنا تبرز أهمية التذكير بالدور الكبير الذي تؤديه خطبة الاتهام وخطبة الدفاع والمرافعات الشفوية والمكتوبة في تحقيق العدالة وكشف الحقيقة.
تقوم المحاكمة العادلة في مختلف الأنظمة القضائية على مجموعة من المراحل والإجراءات التي تضمن الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة. ومن أهم هذه المراحل: خطبة الاتهام، وخطبة الدفاع، والمرافعة الشفوية، والمرافعة المكتوبة. ولكل منها دورها وأهميتها، غير أن المرافعة الشفوية تظل هي اللحظة الأكثر تأثيراً في وجدان المحكمة وعقلها.
فخطبة الاتهام هي العرض الذي يقدمه ممثل الادعاء لبيان الوقائع والأدلة التي يرى أنها تثبت التهمة في مواجهة المتهم. وفيها يتم ترتيب البينات وعرضها بصورة منطقية وقانونية لإقناع المحكمة بسلامة موقف الاتهام.
أما خطبة الدفاع فهي الوجه الآخر للعدالة، إذ تمنح المتهم حق الرد على الاتهامات الموجهة إليه، وبيان أوجه القصور في أدلة الاتهام، وإبراز الوقائع والدفوع القانونية التي تؤدي إلى البراءة أو تخفيف المسؤولية.
وتأتي المرافعة المكتوبة لتوثق الحجج القانونية والوقائع والسابقة القضائية بصورة منظمة، بحيث تستطيع المحكمة الرجوع إليها عند المداولة وكتابة الحكم. وتمتاز بالدقة والترتيب وإمكانية الاستشهاد بالنصوص والأحكام السابقة بصورة أوسع.
غير أن المرافعة الشفوية تبقى سيدة الموقف في كثير من القضايا، لأنها تمثل المواجهة الحقيقية بين الفكر القانوني والواقع العملي. ففيها لا يكتفي المحامي أو ممثل الاتهام بقراءة النصوص، وإنما يخاطب المحكمة مباشرة، ويجيب على ما يثور من تساؤلات، ويبرز مكامن القوة والضعف في البينات.
إن المرافعة الشفوية ليست مجرد كلمات تلقى أمام القاضي، وإنما هي فن وعلم وخبرة. فهي تحتاج إلى معرفة بالقانون، وإحاطة بوقائع الدعوى، وقدرة على التحليل والاستنتاج، وسرعة في الرد على الحجج المقابلة. والمحامي الناجح هو الذي يستطيع أن يحول الأوراق الجامدة إلى صورة حية تراها المحكمة وتستوعبها.
وكثيراً ما تكون القضية الواحدة واضحة في أوراقها، ولكن طريقة عرضها شفوياً هي التي تصنع الفارق. فكم من حق ضاع بسبب ضعف العرض، وكم من حق ظهر جلياً بسبب قوة المرافعة وحسن البيان. ولهذا كانت المحاكم عبر التاريخ تعطي أهمية كبيرة للمرافعات الشفوية، لأنها تمكن القاضي من تقييم قوة الحجة ومنطق صاحبها ومدى اتساقها مع الوقائع.
وتتميز المرافعة الشفوية أيضاً بأنها تمنح المحكمة فرصة للتفاعل المباشر مع المترافع. فقد يوجه القاضي سؤالاً يكشف جانباً خفياً في القضية، أو يطلب توضيح نقطة قانونية لم تكن واضحة في الأوراق. وهنا تظهر قيمة المحامي المتمكن القادر على الإجابة الفورية والإقناع المنطقي.
ولذلك فإن المرافعة الشفوية لا تغني عن المرافعة المكتوبة، كما أن المرافعة المكتوبة لا تغني عن الشفوية، بل إن العدالة تكتمل بتكاملهما. فالأولى تخاطب العقل مباشرة عبر الحوار والتفاعل، والثانية تحفظ الحجة وتوثقها بين دفتي الملف.
وقد قيل قديماً إن القاضي يحكم بما يسمع كما يحكم بما يقرأ، ولذلك ظل كبار المحامين في العالم يعتنون بفن الخطابة القانونية عناية كبيرة، ويعدون المرافعة الشفوية تاج المهنة وذروة العمل القانوني.
إن المحاكم لا تبحث عن كثرة الكلمات، وإنما عن قوة الحجة وسلامة المنطق. فالمرافعة الناجحة ليست الأطول، بل هي الأوضح والأصدق والأكثر اتصالاً بوقائع الدعوى وأحكام القانون.
ولهذا ستبقى المرافعة الشفوية، مهما تطورت التقنيات وتعددت وسائل التقاضي، القلب النابض للمحاكمة العادلة، والصوت الذي يمنح النصوص القانونية حياة، ويحول العدالة من أوراق صامتة إلى حقيقة ناطقة. اتمنى ان ترى محاكمنا فى القريب العاجل ماذكرته سابقا …..
والله المستعان
