الخرطوم : حفية – انتصار
تدخل البلاد موسم الخريف 2026 وسط مؤشرات مناخية تتسم بقدر عالٍ من التعقيد، مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الأمطار، وتزايد فترات الانقطاع المطري، في ظل استمرار تأثير ظاهرة النينيو. وفي هذا السياق، شدد ملتقى المناخ الوطني السوداني الثالث على ضرورة رفع درجة الجاهزية الوطنية، وتوسيع أنظمة الإنذار المبكر، وبناء شراكات فاعلة بين المؤسسات المعنية، للحد من المخاطر المحتملة على الأمن الغذائي وسبل المعيشة.
اختتمت الهيئة العامة للأرصاد الجوية أعمال الملتقى بإطلاق حزمة من التوصيات التي تؤكد أهمية الانتقال من الاستجابة التقليدية للأزمات إلى التخطيط الاستباقي القائم على البيانات والتنبؤات العلمية الدقيقة، بما يضمن تقليل الخسائر وتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية المتسارعة.
وانعقد الملتقى بالخرطوم تحت شعار «رصد مبكر.. تنبؤ دقيق.. حماية أفضل» خلال الفترة من 15 إلى 17 يونيو الجاري، بمشاركة واسعة من مؤسسات وطنية وإقليمية ودولية، في ظل تزايد الاعتماد على المعلومات المناخية كأداة رئيسية لدعم القرار في القطاعات الحيوية، خاصة الزراعة والمياه والصحة وإدارة الكوارث.
وأكد المشاركون أن مواجهة التغيرات المناخية تتطلب تنسيقاً مؤسسياً واسعاً بين قطاعات الزراعة والصحة والدفاع المدني والموارد المائية والبيئة ودرء الكوارث، إلى جانب تعزيز دور المجتمعات المحلية في فهم التحذيرات المبكرة والتعامل معها بصورة فعالة.
*موسم مناخي تحت ضغط النينيو
كشفت التوقعات الموسمية التي قدمتها الهيئة العامة للأرصاد الجوية أن هناك احتمالاً مرتفعاً يتراوح بين 97 و98 في المائة لاستمرار تأثير ظاهرة النينيو والتذبذب الجنوبي خلال موسم الخريف الحالي، وهي من الظواهر المناخية العالمية التي ترتبط عادة بارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات الأمطار في مناطق واسعة من العالم، بما فيها السودان.
وتشير النماذج المناخية إلى أن الموسم المطري 2026 قد يشهد تبايناً واضحاً في توزيع الأمطار، مع ميل عام نحو تسجيل معدلات أقل من المتوسط المناخي في معظم مناطق الزراعة المطرية، خصوصاً خلال الفترة الحرجة من يوليو إلى سبتمبر، وهي الفترة التي يعتمد عليها الإنتاج الزراعي بشكل كبير.
وفي المقابل، تبقى فرص الأمطار فوق المعدلات محدودة في أجزاء من جنوب كردفان وشمال دارفور وبعض المناطق المتفرقة، ما يعكس عدم تجانس التوزيع المكاني للأمطار، ويزيد من تعقيد التخطيط الزراعي والرعوي على مستوى البلاد.
ويرى خبراء أن استمرار تأثير النينيو هذا الموسم قد يفرض ضغوطاً إضافية على القطاع الزراعي، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف البنية التحتية، واعتماد شريحة واسعة من المزارعين على الزراعة المطرية التقليدية.
حرارة أعلى وتأخر في بداية الخريف
لا تقتصر التحديات المناخية على نقص الأمطار، إذ تتوقع الهيئة العامة للأرصاد الجوية تسجيل درجات حرارة أعلى من معدلاتها الطبيعية في مختلف ولايات السودان خلال موسم الخريف، مع احتمالية تعرض مناطق واسعة، خاصة البحر الأحمر والشمالية ونهر النيل وشمال دارفور، لموجات حر أكثر تكراراً وشدة.
كما رجحت التوقعات تأخر بداية الأمطار الفعالة في عدد من المناطق الزراعية لفترات تتراوح بين ثلاثة أيام و28 يوماً، وهو تأخير قد يؤثر مباشرة على الجدولة الزراعية، ويستدعي إعادة ترتيب عمليات الزراعة بما يتماشى مع المتغيرات المناخية.
وتحذر النماذج المناخية كذلك من زيادة فترات الانقطاع المطري داخل الموسم نفسه، حيث قد تمتد فترات الجفاف الإضافية بين أسبوع وأربعة أسابيع فوق المعدلات الطبيعية، وهو ما يشكل خطراً مباشراً على مراحل الإنبات والنمو الأولى للمحاصيل، ويزيد من احتمالات فشل الزراعات في المناطق الهشة مناخياً.
انعكاسات على الأمن الغذائي وسبل المعيشة
تشير هذه المؤشرات إلى ضغوط محتملة على الأمن الغذائي في السودان، في ظل اعتماد واسع على الزراعة المطرية كمصدر رئيسي لإنتاج الحبوب والمحاصيل الأساسية. كما أن قطاع الثروة الحيوانية قد يتأثر سلباً نتيجة تراجع المراعي الطبيعية وارتفاع معدلات التبخر، بما ينعكس على توفر المياه والغذاء الحيواني.
ويرى مختصون أن خطورة الموسم لا تكمن فقط في انخفاض كميات الأمطار، بل في اضطراب توزيعها الزمني والمكاني، وهو ما يجعل حتى المواسم ذات الأمطار المقبولة عرضة لخسائر إنتاجية إذا لم تُدار بشكل علمي ومدروس.
دعوات لتعزيز الإنذار المبكر
أكد الأستاذ محمد شريف محمد زين، مدير الإدارة العامة للرصد والتوقع المكلف بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، أن مخرجات الملتقى تمثل إطاراً عملياً لتوجيه السياسات الوطنية خلال الموسم المقبل، بما يعزز الأمن الغذائي ويقلل من مخاطر الكوارث الطبيعية.
وشدد على ضرورة إيصال المعلومات المناخية في الوقت المناسب إلى المزارعين والرعاة وصناع القرار، وتحويلها إلى إجراءات عملية على مستوى الولايات والمحليات، بما يرفع من فعالية الاستجابة المبكرة ويحد من حجم الخسائر المحتملة.
من جانبه، أوضح الأستاذ محمد أحمد محمد صباح الخير، مدير العلاقات الدولية ومدير غرفة الطوارئ بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، أن الملتقى يأتي ضمن جهود تعزيز الاستعداد الوطني للتغيرات المناخية، مشيراً إلى أن المناخ أصبح عاملاً محورياً يؤثر على الاقتصاد الوطني واستقرار المجتمعات.
شراكات وتخطيط استباقي
شهد الملتقى مشاركة واسعة من مؤسسات حكومية ومنظمات إقليمية ودولية وخبراء في مجالات المناخ والزراعة والموارد المائية والطاقة وإدارة المخاطر، حيث جرى استعراض تجارب ونماذج متعددة في مجال التنبؤات المناخية وتطبيقاتها العملية.
كما ناقش المشاركون خدمات الإرشاد المناخي ونظم الإنذار المبكر وآليات تحسين جودة البيانات المناخية، إلى جانب تعزيز التعاون بين الجهات ذات الصلة على المستويين الوطني والإقليمي، بما يسهم في رفع كفاءة الاستجابة للمخاطر المناخية.
وتضمنت أعمال الملتقى ورشاً فنية متخصصة لتحديد احتياجات القطاعات المختلفة من المعلومات المناخية، وبحث سبل تطوير أدوات التحليل والتنبؤ والتواصل المناخي، بما يعزز التكامل بين العلم وصناعة القرار.
توصيات ختامية
خلص الملتقى إلى أن نجاح الموسم الزراعي المقبل لن يعتمد على كمية الأمطار وحدها، بل على مستوى الجاهزية المؤسسية وقدرة المزارعين والرعاة على الاستفادة من نظم الإنذار المبكر والتنبؤات المناخية، وتحويلها إلى إجراءات عملية مرنة تقلل من الخسائر وتعزز التكيف مع المتغيرات المناخية.
كما أكد على أن الاستثمار في الخدمات المناخية وبناء القدرات يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة المخاطر المتزايدة، في ظل تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة إقليمياً وعالمياً، وما تفرضه من تحديات متنامية على الأمن الغذائي والتنمية المستدامة في السودان.
