الأربعاء, يونيو 17, 2026
الرئيسيةمقالاتالسودان ليس فقيراً… ولكننا ما زلنا نفكر بعقلية الفقر بقلم/...

السودان ليس فقيراً… ولكننا ما زلنا نفكر بعقلية الفقر بقلم/ عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

إذا اتفقنا أن السودان ليس دولة فقيرة من حيث الموارد والإمكانات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لم تنعكس هذه الثروات على حياة المواطنين؟
الإجابة قد تكون مؤلمة، لكنها ضرورية.
فالمشكلة لا تكمن فقط في الحكومات أو الظروف الخارجية أو الحروب، بل في مجموعة من السلوكيات والأفكار التي ترسخت في المجتمع حتى أصبحت جزءاً من ثقافتنا العامة.
من أخطر هذه السلوكيات أننا كثيراً ما نبحث عن اقتسام الثروة قبل التفكير في كيفية إنتاجها.
نتصارع على المناصب قبل أن نبني المؤسسات.
ونختلف حول توزيع الموارد قبل أن نعمل على زيادتها.
وهذه معادلة لا يمكن أن تصنع نهضة في أي مكان في العالم.
فالأمم الناهضة لا تبدأ بالسؤال: “كم نصيبي؟”
بل تبدأ بالسؤال: “كيف ننتج أكثر؟”
ولعل أحد أكبر الأخطاء التي وقعت فيها النخب السودانية خلال العقود الماضية أنها ركزت على السياسة أكثر من الاقتصاد، وعلى الصراع أكثر من التنمية، وعلى كسب المعارك الصغيرة أكثر من بناء المستقبل.
فبينما كانت دول كثيرة تخطط لعشرين وثلاثين سنة قادمة، كنا نحن نخطط للانتخابات القادمة أو للاتفاق السياسي القادم أو للصراع القادم.
ولهذا ضاعت فرص عظيمة كان يمكن أن تجعل السودان في مصاف الدول الصاعدة.
إن نهضة السودان تحتاج إلى ثورة في طريقة التفكير.
ثورة تجعل المزارع يفكر في زيادة الإنتاج لا في انتظار الدعم.
والتاجر يفكر في توسيع النشاط لا في تحقيق الربح السريع فقط.
والموظف يفكر في خدمة المواطن لا في استغلال موقعه.
والسياسي يفكر في الوطن لا في الحزب.
والمواطن يفكر في واجباته قبل أن يطالب بحقوقه.
لقد آن الأوان أن نعترف بأن التنمية ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية مجتمع كامل.
فلا يمكن أن نحارب الفساد ونحن نمارس المجاملات التي تحمي الفاسدين.
ولا يمكن أن نطالب بالخدمات ونحن نتسامح مع التهرب الضريبي والاعتداء على المال العام.
ولا يمكن أن نبني دولة حديثة ونحن نرفض الانضباط واحترام القانون.
إن الأمم لا تتقدم بالموارد وحدها، وإنما تتقدم عندما تتحول القيم الإيجابية إلى سلوك يومي يمارسه الناس في أعمالهم وأسواقهم ومؤسساتهم ومدارسهم.
وعندما ننظر إلى تجارب الدول الناجحة نجد أن السر لم يكن في كثرة الموارد، بل في الانضباط، والعمل، واحترام الوقت، وتقديس الإنتاج.
وهذه كلها قيم يمكن للسوداني أن يتبناها إذا توفرت الإرادة.
إن السودان لا يحتاج إلى معجزة.
ولا يحتاج إلى اكتشاف قارة جديدة.
كل ما يحتاجه هو أن يؤمن أبناؤه بأن مستقبلهم يصنع بأيديهم، وأن الثروة الحقيقية تبدأ من العقل المنتج، والفكرة المبدعة، واليد التي تعمل بإخلاص.
عندها فقط سيتحول السودان من بلد يملك الإمكانات إلى بلد يوظف الإمكانات، ومن دولة تبحث عن الحلول إلى دولة تصنع الحلول، ومن وطن يتحدث عن النهضة إلى وطن يعيش النهضة واقعاً يراه الجميع

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات