الجمعة, يونيو 12, 2026
الرئيسيةمقالاتالسودان الذي نريد أن نبنيه بقلم/ عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

السودان الذي نريد أن نبنيه بقلم/ عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

في خضم الحرب والأزمات والانقسامات التي عصفت بوطننا، انشغلنا طويلاً بسؤال: من نحن؟
اختلفنا حول الهوية، والجهة، والقبيلة، والثقافة، والتاريخ، وتفرعت من هذا السؤال عشرات الأسئلة والصراعات التي استهلكت أعمار أجيال كاملة. لكن وسط كل هذا الضجيج، ظل سؤال أكثر أهمية ينتظر الإجابة:
ماذا نريد أن نبني؟
فالأمم لا تنهض بمجرد الاتفاق على تعريف نفسها، وإنما تنهض عندما تتفق على أهدافها الكبرى ومصالحها المشتركة ومستقبل أبنائها.
حتى لو حسمنا كل قضايا الهوية اليوم، ماذا سيحدث غداً؟ هل ستختفي البطالة؟ هل ستُبنى المدارس والمستشفيات؟ هل ستُعبد الطرق وتُشيد المصانع وتُستصلح الأراضي الزراعية؟ هل سيجد الشباب فرصاً تحفظ كرامتهم وتمنحهم الأمل في المستقبل؟
الحقيقة التي يجب أن نواجهها بشجاعة هي أن معركتنا الكبرى ليست معركة هوية، بل معركة تنمية. وليست معركة حدود، بل معركة بناء. وليست معركة اقتسام الموجود، بل معركة خلق ما هو غير موجود.
لقد ظللنا لعقود طويلة نتجادل حول كيفية تقسيم الموارد المحدودة، بينما كان الأجدر بنا أن نفكر في كيفية مضاعفة هذه الموارد وصناعة ثروات جديدة تكفي الجميع.
إن المشروع الوطني الحقيقي الذي يستحق أن يلتف حوله السودانيون ليس مشروع الانقسام، وإنما مشروع النهضة الاقتصادية الشاملة. مشروع يجعل القضاء على الفقر هدفاً قومياً، وخلق فرص العمل واجباً وطنياً، وبناء البنية التحتية أولوية استراتيجية، وتطوير التعليم والصحة استثماراً في الإنسان السوداني.
نحتاج إلى رؤية وطنية تتجاوز الخلافات الضيقة نحو أهداف واضحة وقابلة للقياس: اقتصاد قوي ومتنوع، ملايين الوظائف للشباب، زراعة حديثة، صناعة منتجة، شبكة طرق وسكك حديدية تربط أطراف البلاد، ومدن تنبض بالحياة والإنتاج.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الأسواق المترابطة أقوى من خطوط الانقسام، وأن المصالح المشتركة أكثر قدرة على صناعة السلام من الشعارات السياسية. فالإنسان قد يختلف مع أخيه في الرأي أو الثقافة أو الانتماء، لكنه يفكر ألف مرة قبل أن يدمر طريقاً يعبر منه رزقه، أو سوقاً يعيش منه أطفاله، أو مشروعاً يحقق له مستقبلاً أفضل.
ولهذا فإن بناء الاقتصاد ليس قضية مالية فحسب، بل هو مشروع للسلام والاستقرار والوحدة الوطنية. فكل مصنع جديد هو خطوة نحو الاستقرار، وكل طريق جديد هو جسر بين المجتمعات، وكل فرصة عمل جديدة هي سد منيع في وجه الفقر واليأس والتطرف.
إن السودان الذي نحلم به ليس السودان الذي تتصارع مكوناته على اقتسام الفقر، بل السودان الذي تتنافس فيه العقول على صناعة الثروة. ليس السودان الذي تضيق فيه الأسواق والفرص، بل السودان الذي تتسع فيه الآفاق أمام الجميع.
فلنجعل السكك الحديدية أهم من خطوط التماس، وممرات التجارة أهم من ممرات الحرب، ومشروعات التنمية أهم من مشروعات الانقسام.
ولنجعل سؤال المرحلة القادمة:
كيف نبني سوداناً يوفر الحياة الكريمة لكل مواطن؟
كيف نصنع اقتصاداً قوياً يفتح أبواب الأمل أمام شبابنا؟
كيف نحول مواردنا الهائلة إلى نهضة حقيقية يشعر بها الإنسان في حياته اليومية؟
هذه هي المعركة التي تستحق أن نخوضها جميعاً.
وهذا هو المشروع الوطني الذي يستحق أن تتوحد من أجله الإرادة السودانية.
فالأوطان العظيمة لا تُبنى بالانقسام، وإنما تُبنى بالأمل والعمل والإنتاج والإيمان بالمستقبل. :::

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات