الثلاثاء, يونيو 9, 2026
الرئيسيةمقالاتعلي حافة الحقيقة!! السودان بين...

علي حافة الحقيقة!! السودان بين نجاح الخارج وإخفاقات الداخل… كيف تصنع العنصرية الناعمة والبيئة المؤسسية فجوة الأداء والإنتاجية؟

بقلم/ زكريا علي عبدالرسول
           

من الظواهر التي تستحق التأمل في التجربة السودانية أن كثيراً من السودانيين الذين لم تتح لهم فرص حقيقية داخل وطنهم، استطاعوا أن يحققوا نجاحات لافتة في مختلف أنحاء العالم. فحيثما اتجه السوداني وجدناه طبيباً متميزاً، ومهندساً ناجحاً، وأستاذاً جامعياً مرموقاً، ورجل أعمال قادراً على المنافسة، وإدارياً يحظى بالثقة والتقدير.
هذه الحقيقة ليست استثناءً عابراً، بل تكاد تكون ظاهرة متكررة دفعت كثيرين إلى طرح سؤال مشروع: إذا كان السوداني قادراً على النجاح والإبداع خارج بلاده، فلماذا تعجز الدولة السودانية عن استثمار هذه القدرات داخل حدودها؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد من تجاوز التفسيرات السطحية التي تلقي باللوم على الأفراد، والاتجاه نحو فحص البيئة السياسية والاجتماعية والمؤسسية التي تشكلت في السودان منذ الاستقلال.
فالمشكلة لم تكن يوماً في الإنسان السوداني. فالتجارب العملية أثبتت أن السوداني يمتلك من الكفاءة والمرونة والقدرة على التكيف ما يؤهله للنجاح في أكثر البيئات تنافسية وتعقيداً. لكن المشكلة كانت، ولا تزال في كثير من جوانبها، مرتبطة بطبيعة الفرص المتاحة وكيفية توزيعها داخل الدولة والمجتمع.
لقد نشأت في السودان، عبر عقود طويلة، أنماط من التمييز غير المعلن يمكن وصفها بـ”العنصرية الناعمة”. وهي ليست عنصرية صريحة تقوم على خطابات الكراهية أو الإقصاء المباشر، وإنما منظومة من التصورات والأحكام المسبقة التي تؤثر في نظرتنا إلى الآخرين، وفي تقديرنا لكفاءاتهم، وفي حجم الفرص التي نتيحها لهم.
وتكمن خطورة العنصرية الناعمة في أنها لا تعلن نفسها بوصفها عنصرية، بل تتخفى خلف مبررات تبدو موضوعية أحياناً. فهي قد تظهر في افتراض أن بعض المجموعات أكثر قدرة على القيادة من غيرها، أو أن بعض المناطق أكثر إنتاجاً من سواها، أو أن الانتماء إلى بيئات اجتماعية معينة يمنح صاحبه أفضلية غير مستحقة على حساب الكفاءة والاستحقاق.
ومع مرور الزمن تتحول هذه التصورات إلى جزء من الثقافة العامة، فتؤثر في التوظيف والترقي وتوزيع الموارد وصناعة القرار. وهنا لا يعود التنافس قائماً على أساس القدرات الحقيقية، بل على أساس فرص غير متكافئة منذ نقطة البداية.
والنتيجة أن كثيراً من الكفاءات تجد نفسها محاصرة داخل وطنها، ليس بسبب ضعفها المهني، وإنما بسبب بيئة لا تمنحها الفرصة الكافية لإثبات نفسها. وعندما تغادر هذه الكفاءات إلى دول أخرى تعمل وفق معايير أكثر وضوحاً وعدالة، تظهر قدراتها الحقيقية ويتحول أصحابها إلى نماذج للنجاح والإنتاج.
إن نجاح السوداني في الخارج لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره قصة فردية، بل باعتباره مؤشراً على وجود خلل بنيوي داخل الدولة السودانية. فهو دليل على أن المشكلة ليست في نقص الكفاءات، وإنما في ضعف الآليات التي تكتشف تلك الكفاءات وتوظفها وتمنحها الفرصة المناسبة.
ولعل أحد أكبر أخطاء النخب السياسية السودانية أنها انشغلت طويلاً بالصراع حول السلطة، بينما أهملت السؤال الأهم: كيف نبني دولة تستفيد من طاقات جميع أبنائها دون تمييز أو إقصاء؟
فالدول لا تنهض لأنها تمتلك بشراً أكثر ذكاءً من غيرها، وإنما لأنها تنجح في بناء مؤسسات عادلة تتيح الفرصة للكفاءة أينما وجدت. أما عندما تصبح الهوية أو الجهة أو العلاقات الشخصية عوامل مؤثرة في توزيع الفرص، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون الفرد وحده، بل الوطن بأكمله.
ومن هنا فإن إعادة تأسيس الدولة السودانية لا تقتصر على معالجة آثار الحرب أو إعادة بناء المؤسسات المدمرة، بل تتطلب أيضاً مراجعة عميقة للثقافة السياسية والاجتماعية التي أنتجت أنماطاً مختلفة من التمييز والإقصاء. كما تتطلب ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية بوصفه الأساس الوحيد للحقوق والواجبات والفرص.
لقد أثبت السوداني، في الداخل والخارج، أنه قادر على الإنتاج والإبداع متى ما وجد البيئة المناسبة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام السودان ليس صناعة إنسان منتج، فذلك الإنسان موجود بالفعل، وإنما بناء دولة قادرة على اكتشافه وتمكينه والاستفادة من طاقاته.
وعندما يحدث ذلك، سيدرك الجميع أن الثروة الحقيقية للسودان لم تكن يوماً في موارده الطبيعية وحدها، وإنما في الإنسان السوداني نفسه؛ ذلك الإنسان الذي ازدهر كلما وجد فرصة عادلة، وأعاقته فقط القيود التي فرضتها عليه بيئة لم تنجح بعد في التحرر الكامل من إرث التمييز والعنصرية الناعمة.
                         ،،،تحياتي،،،

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات