✒️ الكاتبة والإعلامية: عبير نبيل محمد
ليست كل الحروب تنتهي حين تصمت المدافع، فثمة حروب أخرى تبدأ داخل الإنسان، وتستمر طويلًا بعد أن ينسى السياسيون أسماء الضحايا، وتتبدل التحالفات، وتتصالح المصالح، بينما يبقى المواطن وحده يحمل على كتفيه ذاكرة الألم والخوف والفقد.
وحين يجلس القادة إلى طاولات التفاوض، وتُوقَّع الاتفاقيات، وتُطوى صفحات الصراع سياسيًا، لا يعني ذلك أن الجراح النفسية قد التأمت، ولا أن الأرواح التي أنهكتها الحرب استعادت توازنها.
لقد كشفت الحادثة التي شهدتها المملكة العربية السعودية، والمتمثلة في اعتداء شاب سوداني على “السافنا”، القائد المنشق عن قوات الدعم السريع، عن جانب خطير لا ينبغي النظر إليه كحادثة فردية معزولة، بل كجرس إنذار يكشف عمق الاضطراب النفسي الذي يعيشه المجتمع السوداني بعد الحرب.
فالحرب لا تقتل الأجساد فقط، بل تترك في داخل الإنسان ندوبًا نفسية مثقلة بالغضب المكبوت، وذاكرة ممتلئة بمشاهد الفقد والنزوح والخوف والانكسار. وعندما لا تجد هذه الآلام طريقها إلى
العلاج والاحتواء، فإنها قد تنفجر في صور مختلفة: غضب، أو عنف، أو رفض، أو رغبة في الانتقام.
إن كثيرًا من الناس ينسون أن الضحية لا تنسى بسهولة.
فالإنسان الذي فقد منزله، أو شاهد موت أحبته، أو عاش النزوح والجوع والخوف، لا يستطيع أن يتعامل مع الأحداث بمنطق السياسة وحدها، لأن ذاكرته لا تزال تنزف.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات الخارجة من الحروب هو الاعتقاد بأن السلام السياسي وحده كافٍ لإعادة بناء الإنسان.
فأي صلحٍ يمكن أن يعوض أمًا فقدت أبناءها؟
وأي اتفاقٍ يستطيع أن يمحو من ذاكرة طفل مشاهد الرعب الأولى؟
وأي مصافحة بين الخصوم يمكن أن تطفئ نارًا ما زالت مشتعلة في صدور آلاف الضحايا؟
إن العدالة ليست ترفًا، والدعم النفسي ليس رفاهية، والمصالحة المجتمعية ليست شعارًا إعلاميًا، بل ضرورة لحماية الأجيال القادمة من أن ترث الألم نفسه.
فالجراح النفسية المهملة لا تختفي، بل تتحول إلى غضب صامت، أو عنف مؤجل، أو كراهية تنتقل من جيل إلى جيل.
وما يقلق اليوم ليس حادثة بعينها، بل الخوف من أن تكون هذه الحادثة مجرد بداية، وأن يكون القادم أكثر قتامة إذا تُرك الإنسان السوداني وحيدًا في مواجهة ذاكرته، دون اعتراف بمعاناته، أو إنصاف لضحاياه، أو برامج حقيقية للعلاج النفسي وإعادة البناء.
إن الدول قد تتصالح، والجيوش قد تضع السلاح، والمصالح قد تتقارب، لكن القلوب المنكسرة لا تُشفى بالبيانات السياسية.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يؤرق الجميع:
حين تتصالح البنادق… هل تتصالح القلوب؟
وهل يكفي أن تنتهي الحرب فوق الأرض، بينما تستمر داخل الإنسان؟
إن السودان لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار المدن، بل يحتاج إلى إعادة إعمار الإنسان، لأن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى بالسلام النفسي، والعدالة، والكرامة، والاعتراف بوجع الذين دفعوا ثمن الحرب من أعمارهم وأحلامهم وأحبائهم.
وإذا كانت السياسة قادرة على إيقاف الرصاص، فإن الإنسانية وحدها هي القادرة على إيقاف نزيف الأرواح.
ومن هنا، يفرض واقع ما بعد الحرب نفسه بملفات أكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها اضطراب ما بعد الصدمة في السودان، حين يتحول المجتمع كله إلى مساحة جرح مفتوح.
فالصدمات الجماعية، والغضب المكبوت، والجراح غير المعالجة، لا تتوقف عند الجيل الذي عاش الحرب، بل تمتد إلى الأجيال القادمة، حاملةً معها ذاكرة الخوف وفقدان الأمان.
ومن هنا، فإن الحديث عن السلام لا يكتمل بالاتفاقات السياسية وحدها، بل يتطلب التوقف عند الإنسان السوداني نفسه، وعند الأثمان النفسية العميقة التي خلّفتها الحرب، باعتبارها أحد أخطر تحديات مرحلة ما بعد النزاع.
فإعادة إعمار المدن ضرورة، لكن إعادة إعمار الإنسان ضرورة أكبر، لأن المجتمعات التي تتجاهل جراحها النفسية قد تجد نفسها أمام حروب أخرى لا تُسمع فيها أصوات البنادق، لكنها تفتك بالأرواح بصمت.
إن السلام الحقيقي لا يبدأ من الوثائق، بل من الإنسان، ولا يكتمل بوقف إطلاق النار، بل حين يستعيد الإنسان ثقته بالحياة، وشعوره بالأمان، وإيمانه بأن العدالة ليست حلمًا مستحيلًا.
سلامٌ وأمان…
فالعدل ميزان.
✦ توقعي ✦
أنا الرسالة حين يضيع البريد،
وأنا امرأة من حبر النار، لا تُطفئني العواصف ولا ينكسر قلمي أمام الرماد.
أكتب لأن الذاكرة أمانة، ولأن وجع الإنسان لا ينبغي أن يُنسى.
وأشهد لأن الصمت خيانة، ولأن الحقيقة—حين تثقل—تبقى أكرم من النسيان.
أؤمن أن الإنسان أعظم من الحرب، وأن العدالة أول الطريق إلى السلام، وأن الكلمة الصادقة قد لا توقف الرصاص، لكنها تحفظ الذاكرة من الموت.
✒️ عبير نبيل محمد
امرأة من حبر النار
