أبشع أنواع السقوط ليس ذلك الذي يحدث فجأة، بل هو السقوط المتدرج الذي يبدأ بـ “التبرير” وينتهي بالارتماء الكامل في أحضان القتلة. وعبد الله حمدوك لم يسقط وحيداً؛ بل أسقط معه آخر أوراق التوت عن نخبة سياسية أدمنت العيش على فتات الموائد الخارجية، وارتضت أن تقتات من أشلاء وطن يُذبح من الوريد إلى الوريد.
لقد تحول الرجل الذي صعد يوماً على أكتاف دماء شباب الثورة، إلى مجرد “محلل سياسي” لجرائم المليشيا، وواجهة مدنية أنيقة تمنح صكوك الغفران لقوات الدعم السريع وهي تحرق القرى وتغتصب الحرائر وتنهب بيوت المواطنين. أي انحطاط سياسي وأخلاقي هذا الذي يجعل رئيس وزراء سابق يوقع اتفاقيات مع من يوجّه فوهات بندقيته إلى صدور أبناء شعبه؟
إن حمدوك ومجموعته المعزولة في فنادق وعواصم “دول الشر والعدوان” الإقليمية، لا يمارسون السياسة؛ هم يمارسون “التجارة بالدماء”. يتحركون بأوامر الكفيل الخارجي، وينفذون مخططاً خبيثاً لتفكيك السودان، طمعاً في كراسي سلطة مهترئة لن تُبنى إلا على جماجم الأبرياء وقبور الشهداء.
لكن، يبدو أن هؤلاء الواهمين أصابهم العمى السياسي. فهم يظنون أن هندسة “تسوية سياسية” مشبوهة خلف الأبواب المغلقة في العواصم الخارجية، يمكن أن تفرض على الشعب السوداني كأمر واقع. وهنا مكمن غبائهم؛ فالشعب الذي دفع وما زال يدفع فاتورة هذه الحرب من دمه وعرضه وماله، ليس قاصراً ليقود خُطاه “جنرالات الفنادق”.
رسالتنا واضحة ولا تقبل التأويل: خطوط الدم لا تمحوها دموع التماسيح، وعقارب الساعة لن تعود إلى الوراء.
ليسمعها حمدوك ومن معه بوضوح: أنتم لستم فقط غير مقبولين، بل أنتم “منبوذون” بأمر الشعب والتاريخ. لا توجد قوة على الأرض، ولا تسوية سياسية، ولا دعم خارجي يمكنه أن يغسل عار التحالف مع المليشيا. عودتكم للسودان أصبحت مستحيلة، ليس لأن الأجواء غير آمنة، بل لأن تراب هذا الوطن سيلفظكم، ودماء الشهداء ستطاردكم، ولن تجدوا في أرض السودان سوى لعنات شعبٍ حرّ، عرف خائنه فوضعه في مكانه الصحيح.. مزبلة التاريخ!
