الثلاثاء, يونيو 2, 2026
الرئيسيةمقالاتعلي حافة الحقيقة!! ...

علي حافة الحقيقة!! البني هلبة والسلامات… اختبار جديد لجدوى المصالحات القبلية

الاستاذ / زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي

أعاد تجدد الاقتتال بين البني هلبة والسلامات طرح سؤال قديم ومتجدد حول فعالية المصالحات القبلية في دارفور، ومدى قدرتها على تحقيق سلام مستدام في بيئة تتشابك فيها العوامل الاجتماعية والأمنية والسياسية والاقتصادية.
فعلى مدى سنوات طويلة شهدت دارفور عشرات المؤتمرات والاتفاقات والجهود الأهلية التي هدفت إلى رأب الصدع بين المكونات الاجتماعية المتنازعة، وكان يُنظر إلى المصالحات القبلية باعتبارها أحد أهم الأدوات المحلية لمعالجة النزاعات واحتواء التوترات. غير أن تجدد المواجهات بين الحين والآخر، وعودة الصراع بين أطراف سبق أن وقعت اتفاقات صلح متعددة، يدفع إلى إعادة تقييم هذه التجربة بعيداً عن العواطف والانطباعات المسبقة.
وما نشهده اليوم بين البني هلبة والسلامات يمثل نموذجاً واضحاً لهذه الإشكالية. فالعلاقة بين القبيلتين مرت خلال السنوات الماضية بعدد من محطات الصلح والتسويات، ومع ذلك عادت المواجهات لتفرض نفسها على الأرض من جديد، الأمر الذي يطرح سؤالاً مشروعاً: هل تكمن المشكلة في غياب المصالحات أم في محدودية قدرتها على معالجة جذور الأزمة؟
الواقع يشير إلى أن معظم اتفاقات الصلح ركزت على وقف القتال واحتواء التوتر الآني، لكنها لم تتناول بصورة كافية العوامل التي تؤدي إلى تجدد النزاع. فحين تبقى أسباب الاحتكاك قائمة، وتظل بيئة الصراع كما هي، فإن الاتفاقات تتحول إلى هدنات مؤقتة أكثر من كونها حلولاً دائمة.
لقد أثبتت التجربة أن السلام المستدام لا يمكن أن يقوم على المصالحات الاجتماعية وحدها، مهما كانت أهميتها. فالنزاعات المعقدة تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل سيادة القانون، والعدالة، وإدارة الموارد بصورة عادلة، والحد من انتشار السلاح، وبناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات قبل أن تتحول إلى مواجهات دامية.
وتزداد أهمية هذا النقاش إذا أخذنا في الاعتبار أن منطقة النزاع الحالية تقع ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة التابعة للدعم السريع، وأن أعداداً كبيرة من أبناء القبيلتين منخرطون في التشكيلات العسكرية المرتبطة بالواقع القائم هناك. وهذا يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة سلطات الأمر الواقع على إدارة التوازنات الاجتماعية ومنع تحول الخلافات المحلية إلى صراعات مسلحة.
فإذا كانت المصالحات القبلية قد تعثرت في تحقيق سلام دائم، فإن اندلاع القتال مجدداً في منطقة تخضع لسلطة واحدة يكشف أن الأزمة أعمق من مجرد خلاف أهلي عابر. كما يكشف أن الاستقرار لا يتحقق بمجرد السيطرة العسكرية، وإنما بوجود مؤسسات فاعلة وآليات واضحة لإدارة النزاعات وفرض القانون على الجميع دون تمييز.
ومن هنا فإن التعامل مع هذه الأزمة لا ينبغي أن يقتصر على الدعوة إلى مؤتمر صلح جديد أو توقيع اتفاق إضافي، وإنما يتطلب التفكير في آليات أكثر فاعلية واستدامة. فالتجارب المتراكمة أثبتت أن المشكلة ليست في غياب الاتفاقات، بل في غياب الضمانات التي تحول تلك الاتفاقات إلى واقع عملي.
لذلك تبدو الحاجة ملحة لإنشاء آلية دائمة لإدارة النزاعات المحلية في دارفور، تضم الإدارات الأهلية والقانونيين والشخصيات المجتمعية المؤثرة، وتعمل وفق ترتيبات مؤسسية واضحة تمتلك صلاحيات المتابعة والتقييم والتدخل المبكر قبل تفجر الأوضاع.
كما ينبغي أن تترافق المصالحات مع إجراءات عملية لمعالجة قضايا الأرض والمسارات والموارد، وإنشاء آليات لمراقبة تنفيذ الاتفاقات، وتعزيز دور المؤسسات العدلية، والعمل على الحد من انتشار السلاح داخل المجتمعات المحلية. فالاتفاق الذي لا يجد من يحميه أو يراقب تنفيذه يظل عرضة للانهيار عند أول اختبار.
وعلى المدى الأبعد، فإن الحل الحقيقي يكمن في الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مؤسسات حكم محلي قوية وقادرة على بسط سيادة القانون، بحيث يصبح الاحتكام إلى القانون هو القاعدة، لا الاحتكام إلى السلاح أو موازين القوة. فدارفور لا تحتاج إلى المزيد من الاتفاقات الورقية بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات قادرة على حماية تلك الاتفاقات وتحويلها إلى واقع معاش.
إن أحداث البني هلبة والسلامات ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها حادثة معزولة أو خلافاً عابراً، بل باعتبارها اختباراً جديداً لجدوى المصالحات القبلية وحدود فعاليتها. كما ينبغي أن تكون مناسبة لمراجعة أدوات صناعة السلام في دارفور، والانتقال من مفهوم المصالحة بوصفه غاية في حد ذاته إلى مفهوم أوسع يقوم على بناء السلام المستدام، القائم على الأمن والعدالة والتنمية وسيادة القانون.
فالمصالحة تظل ضرورة لا غنى عنها، لكنها وحدها لا تكفي. وما لم تُسند بمؤسسات قوية وإرادة سياسية حقيقية وآليات فعالة لمعالجة أسباب النزاع، فإن خطر العودة إلى دائرة العنف سيظل قائماً مهما تعددت الاتفاقات وتكررت مراسم الصلح.
،،، تحياتي ،،،

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات