الثلاثاء, مايو 26, 2026
الرئيسيةمقالاتمهاد الحروف ...

مهاد الحروف العيد الذي كان… والوطن الذي نرجوه

بقلم :مهاد عوض
في مثل هذه الأيام، قبل أن تعصف الحرب بكل هذا الوجع، كان الاستعداد لعيد الأضحى في السودان طقساً من الفرح الخالص، يشبه احتفالاً بالحياة نفسها. كنا نتهيأ لـ”الضحية” بكل تفاصيلها؛ خروف العيد الذي يُربّى بحب، ويُدلّل كأنه فرد من الأسرة، وتدور حوله أحاديث الأطفال وضحكاتهم.
البيت الكبير كان يمتلئ باللمة… إخوة، أخوات، أعمام، خالات، جيران، وكل من له صلة قلب قبل الدم. تُقسم الأضحية بعدل ومحبة، ويجد كل بيت نصيبه، ليس فقط من اللحم، بل من الونس والبركة. كانت المناسبة أكبر من مجرد شعيرة، كانت إعلاناً سنوياً أن المجتمع بخير، وأن الروابط ما زالت متينة.
العيد الكبير في السودان لم يكن عيداً فحسب، بل موسماً للمناسبات: خطوبات، زيجات، وعودة المغتربين. كم من أمٍ كانت تنتظر ابنها العائد من الغربة لتختار له العروس، وكم من فتاة كانت تترقب تلك الأيام لتتألق في مناسبة، أو ربما يطرق بابها نصيبها.
ومن طرائف تلك الأيام، حكاية تلك الفتاة الجميلة الخدومة، التي كانت دائماً في المطبخ، تحمل صينية الشاي أو تساعد الطباخ، بينما انشغلت بقية الفتيات بالكوافير والزينة. جاء عريس من الخارج، من أيرلندا، ورأى الجميع… لكن قلبه اختار تلك التي كانت تخدم بصمت. خطبها، وتزوجها، وأخذها معه، وكأن الحياة أرادت أن تقول: الجمال الحقيقي يُرى بالقلوب لا بالعيون.
ثم جاءت الحرب… وفرّقت ما كان مجتمعاً، وشتّتت الأسر الصغيرة والممتدة، حتى صار كل فرد في بلد، وكل قلب في حنين. صرنا نسترجع تفاصيل كنا نظنها عادية: لمة الطبيحة، الشربوت، فطور الحلة المبكر، الرجل الذي يفطر ثلاث أو أربع مرات بين البيوت، ويُرهق زوجته المسكينة، وضحكات الأطفال في الشوارع، وأصوات اللعب والطلقات الاحتفالية، وبيت الجد والحبوبة، والعمات والخيلان… يا لها من أيام!
تلك الذكريات لم تعد مجرد ماضٍ، بل أصبحت حلماً نتمنى عودته. وكأن صدى صوت الفنان الراحل محمد ميرغني (أو كما تغنّى بها الوجدان السوداني) ما زال يتردد: “ونعود تاني من تاني…”. هي ليست مجرد كلمات، بل دعاءوهنا الشاعر يقصد المحبوبة وانا اوجهها لوطنٍ أنهكته الجراح.
إن ما نرجوه اليوم ليس كثيراً… فقط أن يعود الأمان، أن تلتئم الأسر، أن نضحك بلا خوف، وأن نحتفل كما كنا.
أن يعم السلام كل أرجاء السودان، وأن يتكاتف أبناؤه في الغربة قبل الوطن، فهم السند حين تضيق الأرض.
يا سودان… سنعود، وستعود معنا تلك اللمة الجميلة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات