الخميس, مايو 21, 2026
الرئيسيةمقالاتالسلام أولاً أم العدالة؟.. انشقاقات قادة المليشيا تشعل النقاش في السودان ...

السلام أولاً أم العدالة؟.. انشقاقات قادة المليشيا تشعل النقاش في السودان بقلم/ مجتبى ميرغني

مجتبى ميرغني

في خضم الصراع الدائر في السودان، تبرز قضية قادة المليشيا المنشقين وعائلاتهم كإحدى القضايا الأكثر إثارةً للجدل في المشهد العام، خاصة مع تزايد الانشقاقات وعودة بعض القيادات إلى ما يُعرف بـ”حضن الوطن”. وبينما تتجه الأنظار نحو تحقيق السلام ووقف الحرب، يظل السؤال حول كيفية التعامل مع هؤلاء القادة معلقاً بين ضرورات السلام ومطالب العدالة.
ففي الوقت الذي تدعو فيه أصوات عديدة إلى تغليب خيار إنهاء الحرب وتفكيك المليشيات عبر استيعاب المنشقين وتشجيع المزيد من الانشقاقات، يرى آخرون أن أي تسوية لا بد أن ترتبط بمحاسبة قانونية عادلة تحفظ حقوق الضحايا وتمنع الإفلات من العقاب. ويعكس هذا التباين حالة الانقسام داخل الرأي العام بين من يقدّم أولوية السلام وإنقاذ البلاد، ومن يتمسك بضرورة العدالة الفورية.
وتُعد معالجة أوضاع المنشقين جزءاً مهماً من جهود إنهاء النزاع، إذ إن عودتهم إلى الدولة قد تسهم في إضعاف المليشيات وتقليل رقعة القتال، فضلاً عن تعزيز فرص الاستقرار الأمني والسياسي. ويرى بعض المراقبين أن المرحلة الحالية هي مرحلة احتواء وتفكيك للصراع، وليست مرحلة تصفية الحسابات أو فتح ملفات المحاكمات على نطاق واسع، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية وتعقيدات المشهد الميداني.
وفي المقابل، عبّر عدد من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي عن رفضهم لفكرة قبول قادة المليشيا المنشقين ضمن صفوف القوات المسلحة دون محاسبة فورية، معتبرين أن بعض هؤلاء القادة ارتبطت أسماؤهم بأحداث وانتهاكات خلال فترة الحرب، الأمر الذي يستوجب ـ بحسب رأيهم ـ تقديمهم للمساءلة القانونية قبل أي ترتيبات تتعلق بإعادة الدمج أو التسويات السياسية. وتوسعت حالة الجدل على المنصات الرقمية بين من ينطلق من مشاعر الغضب والمعاناة التي خلفتها الحرب، وبين من يدعو إلى قراءة المشهد بعقلانية تراعي مصلحة البلاد العليا ومتطلبات إنهاء النزاع.
ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية تحتاج إلى خطاب يوازن بين العدالة والسلام، بعيداً عن ردود الفعل العاطفية، مع استحضار القيم الدينية والوطنية التي تدعو إلى تغليب السلم متى ما توفرت فرصه، امتثالاً لقوله تعالى: “وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ”، على أن تُترك قضايا المحاسبة والإجراءات القانونية للمؤسسات العدلية المختصة عقب استقرار الأوضاع ووقف الحرب بصورة كاملة.
ويطرح هذا الجدل تساؤلات عميقة حول مفهوم الانتصار والخيانة في زمن الحرب؛ فهل يُنظر إلى المنشقين باعتبارهم خونة لمليشياتهم السابقة أم شركاء في استعادة الدولة؟ وهل يُمكن أن تتحقق المصالحة الوطنية دون مسار عدالة واضح ومتفق عليه؟
وفي جميع الأحوال، تبدو الحقيقة الأقرب أن الحرب ستنتهي في نهاية المطاف باتفاق أو تسوية سياسية، وعندها ستفرض ملفات العدالة الانتقالية نفسها بقوة. لكن حتى ذلك الحين، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية إدارة التوازن الحساس بين ضرورات السلام ومطالب العدالة، بما يحفظ وحدة البلاد ويمنع انزلاقها إلى دورة جديدة من الصراع والانقسام.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات