الجمعة, يوليو 10, 2026
الرئيسيةتقاريرالإعلام في مواجهة التضليل.. دعوات لبناء جبهة معلومات وطنية ...

الإعلام في مواجهة التضليل.. دعوات لبناء جبهة معلومات وطنية خبراء: الشائعات أصبحت أداة حرب نفسية تستهدف الوعي

امدرمان : حفية نورالدائم

في فضاءٍ رقمي مفتوح بلا حدود، يتسارع تدفق الأخبار المفبركة والمحتوى المضلل بوتيرة غير مسبوقة، يجد المجتمع السوداني نفسه أمام اختبار معقد يتعلق بحماية وعيه الجمعي وصون تماسكه الداخلي. ومع اتساع نفوذ منصات التواصل الاجتماعي خلال الحرب، تتزايد التحذيرات من تحول هذه الفضاءات إلى ساحة موازية للصراع، تُستخدم فيها الشائعة كأداة تأثير مباشر على الاستقرار الاجتماعي والثقة في المؤسسات.
وفي هذا السياق، دعا خبراء وإعلاميون إلى ضرورة بناء منظومة إعلامية مهنية أكثر صلابة، قادرة على كشف حملات التضليل والتصدي للحرب النفسية المنظمة، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بوصفه خط الدفاع الأول في مواجهة الاستهداف الإعلامي.
ورشة “وعي” بأمدرمان.. دعوات لإعلام مهني يواجه التضليل
أكد المشاركون في ورشة «وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة الشائعات»، التي نظمها مركز «وعي» الإعلامي اليوم الثلاثاء بمنتجع الراكوبة في أمدرمان، أهمية بناء إعلام مهني ومسؤول قادر على مواجهة حملات التضليل والحرب النفسية، مع التشديد على ضرورة حماية الجبهة الداخلية وتعزيز الوعي المجتمعي في مواجهة الاستهداف الإعلامي المنظم.
وشهدت الورشة حضوراً لافتاً لصحفيين وإعلاميين وباحثين ومهتمين بالشأنين الأمني والإعلامي، حيث ناقش المشاركون بعمق دور الإعلام الرقمي في تشكيل الرأي العام، والتحديات المتسارعة المرتبطة بانتشار الشائعات عبر المنصات الإلكترونية، خصوصاً خلال فترات النزاعات والأزمات.
الإعلام في مرحلة ما بعد الحرب.. تحولات عميقة وتحديات متصاعدة
وخلال مخاطبته أعمال الورشة، قال مدير عام وزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم الطيب سعد الدين إن البلاد تواجه تحديات متزايدة في مجال الوعي والمعلومات، ما يستوجب تعزيز المهنية الإعلامية والتعامل المسؤول مع المحتوى المتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن التحولات التي شهدها المشهد الإعلامي بعد الحرب فرضت واقعاً جديداً، حيث انتقل الصحفيون بشكل متسارع نحو العمل عبر المنصات الرقمية والمواقع الإلكترونية، التي أصبحت الأكثر تأثيراً في تشكيل الرأي العام ونقل الأخبار.
وأشار إلى أن هذا التحول، رغم إيجابياته في توسيع نطاق النشر والتفاعل، أفرز تحديات خطيرة تتعلق بانتشار المعلومات غير الدقيقة والشائعات، مؤكداً أن غياب الضوابط المهنية في بعض المنصات أسهم في حالة من الفوضى الإعلامية والتضليل.
وبيّن أن الصحافة الورقية كانت تواجه في السابق قيوداً مرتبطة بالإعلانات والسياسات التحريرية، بينما أتاحت المنصات الرقمية اليوم مساحة أوسع للوصول إلى الجمهور، لكنها في المقابل تتطلب مستوى أعلى من المسؤولية والالتزام المهني.
وشدد الطيب على أن المرحلة الراهنة تتطلب إعلاماً وطنياً واعياً، لا يكتفي بنقل الأخبار، بل يضطلع بدور فاعل في حماية المجتمع من خطاب الكراهية والشائعات ومحاولات بث الإحباط والانقسام، داعياً الصحفيين إلى تحري الدقة والتثبت قبل النشر، وعدم الانجراف وراء السبق الصحفي على حساب المصداقية.
ولفت إلى أن بعض الشائعات تُدار بصورة ممنهجة تستهدف إضعاف الثقة في مؤسسات الدولة والتأثير على الاستقرار المجتمعي، مؤكداً أن الإعلام المهني يمثل إحدى أهم أدوات المواجهة.

الحرب النفسية.. الشائعة تتحول إلى سلاح استراتيجي

من جانبه، قدم العقيد خالد محمد عبد الله من إدارة الحرب النفسية، ورقة بعنوان «تحقيق السيادة المعلوماتية ومكافحة التضليل»، تناول فيها تطور مفهوم الحرب النفسية وأدواتها الحديثة في التأثير على الشعوب والجبهات الداخلية.
وقال إن الشائعات لم تعد مجرد أخبار كاذبة متداولة، بل أصبحت جزءاً من استراتيجيات الحروب الحديثة التي تستهدف الوعي الجمعي وإضعاف الروح المعنوية.
وأشار إلى أن القوات المسلحة السودانية لعبت دوراً محورياً في تعزيز تماسك الجبهة الداخلية خلال الحرب، بالاعتماد على صمود الشعب السوداني، مؤكداً أن وحدة المجتمع تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل الإعلامي.
وأوضح أن الحرب النفسية تعتمد على نشر الإحباط والخوف وفقدان الثقة عبر الأخبار المفبركة والمعلومات المجتزأة، لافتاً إلى أن عدداً من الدول انهارت داخلياً نتيجة تفكك جبهاتها الداخلية قبل الحسم العسكري.
وحذر من تسارع انتشار المحتوى المضلل عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل، ما يضاعف مسؤولية الإعلاميين في التحقق من المعلومات والتعامل المهني مع الأخبار.
ودعا إلى ترسيخ مفهوم “السيادة المعلوماتية” عبر بناء خطاب إعلامي وطني، وإنشاء منصات قادرة على مواجهة المحتوى المعادي، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بخطورة تداول الشائعات دون تحقق.

الإعلام الرقمي.. بين الفرصة والمخاطر

وفي السياق ذاته، قدم الدكتور زهير الطيب بانقا ورقة بعنوان «الإعلام الرقمي بين الشرعية والتضليل»، استعرض فيها التحولات التي أحدثتها الثورة الرقمية في بنية الإعلام وأنماط التأثير الاجتماعي والسياسي.
وأوضح أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت فضاءً رئيسياً لصناعة الرأي العام، مشيراً إلى أن ضعف الثقافة الرقمية لدى بعض المستخدمين أسهم في انتشار الأخبار الكاذبة بوتيرة غير مسبوقة.
وبيّن أن الشائعات تنشط بشكل خاص خلال الأزمات والحروب، وفي ظل غياب أو تأخر المعلومات الرسمية، ما يفتح المجال أمام المصادر غير الموثوقة لملء الفراغ المعلوماتي.
وأكد بانقا أن المؤسسات الرسمية مطالبة بسياسات إعلامية أكثر سرعة وشفافية، بما يحد من انتشار التضليل ويعزز الثقة العامة.
وأضاف أن الإعلام الرقمي يمكن أن يتحول إلى أداة إيجابية إذا ما تم توظيفه بشكل مهني، داعياً إلى تدريب الصحفيين وصناع المحتوى على مهارات التحقق الرقمي، واستخدام أدوات كشف الأخبار الزائفة، وتعزيز أخلاقيات النشر الإلكتروني.

منظومة وطنية لمواجهة الشائعات

وشهدت الورشة مداخلات واسعة من المشاركين، الذين دعوا إلى إنشاء منصات وطنية متخصصة لرصد الشائعات وتفنيدها بشكل فوري، إلى جانب إطلاق حملات توعوية تستهدف مختلف شرائح المجتمع.
و طُرحت توصيات بإدخال مفاهيم التربية الإعلامية والرقمية ضمن المناهج الدراسية، بهدف بناء جيل قادر على التحقق من المعلومات والتعامل الواعي مع المحتوى الرقمي.
وطالب مشاركون بتطوير التشريعات المنظمة للإعلام الرقمي بما يحقق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، ويحد من خطاب الكراهية والتحريض والمحتوى المضلل.
وأكد متحدثون أن الحرب الراهنة أبرزت الدور الحاسم للإعلام في تشكيل الوعي العام، مشيرين إلى تفاوت أداء المنصات الرقمية بين نشر التضليل من جهة، ودعم الاستقرار ونقل الحقائق من جهة أخرى.

وخلصت الورشة إلى مجموعة من التوصيات، أبرزها تعزيز التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والأجهزة المختصة لمكافحة الشائعات، وتفعيل آليات التحقق من الأخبار، وإنشاء وحدات للرصد والتحليل الإعلامي لمتابعة المحتوى الرقمي.
كما أوصت بتنظيم برامج تدريبية في الأمن المعلوماتي والصحافة الرقمية، وتوسيع حملات التوعية بمخاطر الحرب النفسية، إلى جانب دعم الإعلام الوطني المهني القادر على حماية الوعي المجتمعي وتعزيز التماسك الوطني.
وأكدت الورشة في ختام أعمالها أن الانتصار في “معركة الوعي” لا يتحقق بالأدوات العسكرية وحدها، بل يتطلب إعلاماً مسؤولاً ومجتمعاً واعياً يمتلك القدرة على مواجهة الشائعات وحملات التضليل الممنهج.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات