نصٌّ نثريٌّ عن امرأةٍ عبرت الطفولة والخذلان والغياب… ثم صنعت نفسها من جديد
كغيمةٍ هائمةٍ بين الغيوم، وقفتُ… طفلةً أحمل بين ضلوعي أحلامًا مؤجّلة، وأُخبر كلَّ غيمةٍ عن سعادةٍ أحسبها لا تدوم.
وقفتُ بين بخار الماء وسراب أحلامٍ بسيطة، قرب نافذةٍ امتلأت ببخار المطر، تمطرني فرحًا أحيانًا، وأحيانًا وجعًا…
وكنتُ أتساءل: كم يدوم؟
أحيانًا لا يكون السؤال عن الزمن… بل عن القلب حين يُرهَق، كيف يظل واقفًا رغم كل شيء؟
أشرقت شمسٌ بداخلي يومًا، ثم محوتها تلك الظنون، أم محوتُها أنا… دون أن أدري.
كنتُ أسير على طريق نورك، لا كطفلةٍ كما كنت، بل
كامرأةٍ أثقلتها الهموم.
كبرتُ رغمًا عني، ورغمًا عني اقتلعتُ جذوري كي لا أكون تلك التي تبحث عن شمس البداية في سماءٍ اعتادت الغياب.
كنتُ أظن أن الغيوم تُطفئ الضوء… حتى فهمتُ أنها فقط تُؤجله.
بعضُ الانتظار يُطفئ العمر دون أن نشعر، وبعضُ الصمت يترك في الداخل صراخًا لا يسمعه أحد.
وفي بعض الليالي… كنتُ أكتفي بالصمت، كأن النجاة نفسها تحتاج إلى وقت.
وفي الطرق الطويلة من الصمت، كنتُ أتعلم كيف يبدو النضج حين يأتي متأخرًا ومؤلمًا، وكيف تتحول المرأة أحيانًا من غيمةٍ خائفة إلى سماءٍ كاملةٍ لا تنطفئ.
كان بداخلي ألمٌ كبير، وجرحٌ يتسع كلما مرّت الوعود الكاذبة، لكن صبري… كان أقوى من كل الغياب.
كنتَ نورًا في أول خيوط الفجر، لكن ضباب الرؤية لم يكن إلا صمتًا في كلامي، وصبرًا ممتدًا إليك… وإلى تلك الحروف.
ولم تكن كل الوعود إلا مطرًا عابرًا يسقط فوق قلبٍ كان يظنّ أن الدفء يدوم.
«أحيانًا لا نضيع لأن الطريق طويل… بل لأننا انتظرنا الضوء في المكان الخطأ.»
«أكتبُ من ضباب الحنين… لكن النار التي بداخلي تعلّمت كيف تُضيء دون أن تحترق.»
ثم جاء المطر.
لكن هذا المطر لم يكن نجاة… كان الحقيقة.
ذلك المطر الذي أسقط الوعود الكاذبة عن وجه الغيم، وكشف أن بعض الكلام كان مجرد برقٍ يخطف القلب ثم يتركه وحيدًا في العتمة.
وهنا— لم أبكِ كما اعتادت الحكايات أن تفعل.
أشعلتُ الغيم نارًا.
أشعلته بكل ما تراكم في الصمت، وبكل ما لم يُقل، وبكل ألمٍ كان ينمو في داخلي حتى صار أكبر من احتمالي.
ثم أدركتُ شيئًا لم أكن أراه: أن الاحتراق ليس نهاية… بل بداية شكلٍ آخر من الحياة.
ومن بين رماد الخيبة، نهضتُ…
لا كطفلةٍ تبحث عن الضوء، بل كامرأةٍ تعلّمت كيف تصنع شمسها بنفسها.
امرأةٌ خانها الطريق، لكنها لم تنكسر.
امرأةٌ عبرت الألم وتركته خلفها كي لا يتحول قلبها إلى قبر.
وأدركتُ أخيرًا أن الشمس لا تختفي… نحن فقط نبحث عنها في الاتجاه الخطأ.
وشمس الحرية… لم تكن هناك بعيدًا.
كانت بداخلي.
كنتُ أنا… الشمس.
وما زلتُ تلك الطفلة، لكنني الآن أعرف جيدًا أن الأجنحة التي تُرهَق كثيرًا لا تسقط دائمًا…
أحيانًا تتحول إلى عنقاء.
✦ تَوْقِيعُ العَنْقَاءِ ✦
«أكتبُ من رمادي… لا لأنني احترقت، بل لأن النار علّمتني أن الضوء يمكن أن يولد من الألم.»
❀𓆩•҉᭄𓆪❥
امرأةٌ من حبر النار…
تكتب من طفولتها، من خذلانها، من رمادها… ثم تمشي نحو شمسها ولا تلتفت.
✒️ عبير نبيل محمد
