الثلاثاء, مايو 12, 2026
الرئيسيةمقالاتالعقوبات الأمريكية على الفاعلين السودانيين في ضوء الأوامر التنفيذية الأمريكية د....

العقوبات الأمريكية على الفاعلين السودانيين في ضوء الأوامر التنفيذية الأمريكية د. رجاء عبدالله حمد الزبير

د. رجاء عبدالله حمد الزبير

تشهد الساحة السودانية منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023 تصاعداً في الضغوط الدولية، خاصة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي لجأت إلى سياسة العقوبات الاقتصادية والقانونية ضد عدد من الجهات والأشخاص السودانيين المتهمين بالمساهمة في استمرار النزاع المسلح وتقويض فرص الانتقال السياسي والاستقرار الإقليمي.

وترتبط هذه العقوبات، بحسب الموقف الأمريكي، بتنامي نفوذ بعض التيارات الإسلامية المسلحة داخل السودان، إضافة إلى ما تعتبره واشنطن علاقات لبعض الفاعلين السودانيين بشبكات إقليمية مرتبطة بإيران ودعم أنشطتها في المنطقة.

وفي هذا السياق، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية بياناً بعنوان:
“The Treasury Department Imposes Sanctions on Sudanese Actors Pursuant to E.O. 14098”
وذلك استناداً إلى الأمر التنفيذي رقم 14098 الصادر بتاريخ 4 مايو 2023، والذي منح الإدارة الأمريكية سلطات واسعة لفرض عقوبات على الأشخاص أو الكيانات التي ترى أنها تساهم في تهديد السلام والأمن والاستقرار في السودان أو تعرقل جهود الانتقال المدني.

كما فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية
Office of Foreign Assets Control (OFAC)
عقوبات على عدد من الشخصيات والكيانات السودانية، من بينها وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم، إضافة إلى شخصيات وكيانات أخرى مرتبطة بالنزاع المسلح، وذلك على خلفية اتهامات بالمشاركة في العمليات العسكرية أو تقويض الاستقرار والتنسيق مع شبكات إقليمية مرتبطة بإيران.

ولم تقتصر العقوبات الأمريكية على شخصيات مرتبطة بالحكومة أو بالتيارات الإسلامية، بل شملت كذلك عدداً من قادة قوات الدعم السريع والجهات المرتبطة بها. فقد سبق للولايات المتحدة أن فرضت عقوبات على قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وشقيقه عبد الرحيم دقلو، إلى جانب عدد من الشركات والكيانات المتهمة بدعم العمليات العسكرية أو التورط في انتهاكات مرتبطة بالنزاع المسلح في السودان.

ويعكس ذلك توجهاً أمريكياً نحو استهداف الأطراف التي تُتهم بالمساهمة في استمرار النزاع، سواء كانت مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية أو بقوات الدعم السريع.

ومن الناحية القانونية، تستند الولايات المتحدة في فرض هذه العقوبات إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية
International Emergency Economic Powers Act (IEEPA)
الصادر عام 1977. ويمنح هذا القانون الرئيس الأمريكي سلطات واسعة لاتخاذ تدابير اقتصادية ومالية ضد الدول أو الكيانات أو الأفراد الذين يُنظر إليهم باعتبارهم يشكلون تهديداً غير عادي للأمن القومي أو السياسة الخارجية أو الاقتصاد الأمريكي، وذلك بعد إعلان حالة طوارئ وطنية وفقاً للقانون الأمريكي.

كما تستند هذه التدابير إلى الأوامر التنفيذية الرئاسية المتعلقة بحماية الأمن القومي الأمريكي، وعلى رأسها الأمر التنفيذي رقم 14098 الخاص بالسودان، والذي منح الإدارة الأمريكية صلاحيات واسعة لتجميد الأصول وفرض قيود مالية واقتصادية على الأشخاص والكيانات التي تُتهم بتهديد السلام والاستقرار أو الإسهام في تقويض الانتقال السياسي.

وتعكس هذه العقوبات تحولاً واضحاً في السياسة الأمريكية تجاه السودان، إذ لم تعد تقتصر على الضغط من أجل وقف النزاع أو معالجة الانتهاكات الإنسانية، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بمواجهة ما تعتبره الولايات المتحدة تصاعداً لنفوذ التيارات الإسلامية داخل بعض مؤسسات الدولة والمجموعات المسلحة، ومحاولة الحد من توظيف الخطاب الديني في الصراع السياسي والعسكري.

وفي ذات الإطار، أشار تقرير
United States Commission on International Religious Freedom
لعام 2026 إلى تنامي المخاوف الأمريكية من استخدام الخطاب الديني في تعبئة النزاع المسلح داخل السودان، وتأثير ذلك على الحريات الدينية والتعددية السياسية والثقافية.

كما تناول التقرير ما اعتبره تنامياً للعلاقات بين بعض الفاعلين السودانيين وشبكات إقليمية مرتبطة بإيران، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى توسيع دائرة العقوبات ضد شخصيات وكيانات ترى أنها تسهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي.

ويبدو أن توسيع العقوبات الأمريكية يعكس انتقال واشنطن من سياسة مراقبة النزاع إلى محاولة التأثير بصورة مباشرة في توازناته السياسية والإقليمية، خاصة في ظل التنافس الدولي والإقليمي المتزايد في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

غير أن هذه العقوبات تثير جدلاً واسعاً في القانون الدولي، خاصة عندما يتم استخدامها خارج إطار مجلس الأمن الدولي. فقد سبق للولايات المتحدة أن فرضت عقوبات شاملة على السودان لسنوات طويلة استهدفت الدولة السودانية ومؤسساتها الاقتصادية والمالية، قبل أن يتم رفعها لاحقاً بعد تحسن العلاقات الثنائية بين البلدين.

أما العقوبات الحالية، فهي تختلف من حيث الطبيعة القانونية، إذ تستهدف أفراداً وشركات محددة تتهمها واشنطن بالمشاركة في النزاع المسلح أو تقويض الاستقرار، وليس السودان كدولة بصورة مباشرة.

ورغم ذلك، تظل العقوبات الأحادية محل انتقاد داخل أروقة القانون الدولي ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث يرى عدد من فقهاء القانون الدولي أن هذه التدابير قد تتحول إلى أدوات ضغط سياسي تمس مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، خاصة عندما تؤثر بصورة غير مباشرة على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية للدول التي تعاني من نزاعات مسلحة غير دولية أو حروب ذات أبعاد إقليمية ودولية.

كما أن الربط الأمريكي بين بعض الفاعلين السودانيين وإيران يأتي ضمن استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى الحد من النفوذ الإيراني في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، باعتبار أن أي تمدد إيراني في هذه المنطقة يمثل تهديداً للمصالح الأمريكية وللاستقرار الإقليمي.

وفي المحصلة، فإن العقوبات الأمريكية المفروضة على بعض الفاعلين السودانيين تعكس تحوّلاً في طبيعة السياسة الأمريكية تجاه السودان، من مجرد احتواء النزاع الداخلي إلى محاولة التأثير في موازين القوى السياسية والأيديولوجية داخل البلاد.

غير أن نجاح هذه السياسة يبقى محل تساؤل، إذ إن تحقيق السلام والاستقرار في السودان لا يمكن أن يتم عبر العقوبات وحدها، وإنما من خلال مشروع وطني شامل يعالج جذور الأزمة السياسية والاجتماعية، ويؤسس لدولة القانون والتعددية السياسية والدينية بعيداً عن الاستقطاب الإقليمي والدولي

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات