الخميس, مايو 7, 2026
الرئيسيةمقالاتمن سرقو؟ هذا سرقو… حين تتسع الحرب لتشمل كل شيء بقلم :...

من سرقو؟ هذا سرقو… حين تتسع الحرب لتشمل كل شيء بقلم : أبوعبيده أحمد سعيد محمد


بقلم : أبوعبيده أحمد سعيد محمد saeed.abuobida5@gmail.com

منذ 15 أبريل 2023،
لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة بالسلاح،
بل تحولت إلى حالة أوسع…
حالة امتدت إلى البيوت، إلى التفاصيل الصغيرة،
إلى الأشياء التي لا تُذكر في نشرات الأخبار.
هناك، في صمت المدن المنهكة،
ظهرت كلمة جديدة:
الشفشفة.
ليست مجرد سرقة،
بل حالة من الانفلات…
كأن كل شيء صار قابلًا لأن يُؤخذ،
وأن يضيع،
دون سؤال حاسم: من الفاعل؟
وهنا يعود السؤال،
لكن بصيغة مربكة:
من سرقو؟
هذا سرقو.
أنا سرقو.
هم سرقو.
الواو تتكاثر…
حتى تتحول إلى دائرة،
تدور فيها الاتهامات،
وتتراجع الحقيقة خطوة بعد أخرى.

في هذا المشهد،
لم تعد السرقة تفرّق بين أحد.
قصة اللواء النور قبة،
العائد إلى صف الوطن بعد تجربة معقدة،
والذي أفاد بتعرض منزله في كافوري لسرقة محتوياته،
ليست حالة استثنائية بقدر ما هي صورة مكثفة لما جرى ويجري.
فما حدث لمنزل قائد سابق في مليشيا الدعم السريع،
هو نفسه ما حدث، بدرجات مختلفة،
لبيوت مواطنين عاديين لا تُذكر أسماؤهم في الأخبار.
هنا،
تسقط الفوارق،
ويصبح الجميع، على اختلاف مواقعهم،
داخل نفس الدائرة.
فتح البلاغ،
في مثل هذه الحالات،
لا يكون مجرد إجراء قانوني،
بل محاولة للتمسك بفكرة
أن الحق، حتى إن تاه،
لا بد أن يُطلب.
هذا المشهد،
بكل تعقيداته،
يذكّرنا بما ورد في قصة يوسف عليه السلام:
قالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴿٧٧ يوسف﴾
لم تكن المسألة حينها سرقة مؤكدة،
بل رواية قيلت،
واتهام تحرك في غياب الحقيقة الكاملة.
وهكذا،
في زمن الفوضى،
لا تصبح المشكلة فقط في الفعل،
بل في من يملك القصة،
ومن يحدد من هو السارق.
وفي مكان آخر من العالم،
كتب دوستويفسكي:
“لقد سرقوا مني كل شيء تقريبًا، ثم أعطيتهم الباقي من تلقاء نفسي.”
وكأن العبارة تعبر عن لحظة الإنهاك،
حين لا يكون الفقد فقط فيما أُخذ،
بل فيما يتنازل عنه الإنسان بصمت،
تحت ضغط الواقع.
لكن،
ورغم كل ذلك…
هناك شيء لم يُسرق.
لم تُسرق القدرة على الحلم،
ولا الإيمان،
ولا ذلك الخيط الرفيع من الأمل.
قد تُشفشف الأشياء،
قد تضيع الممتلكات،
وقد تتداخل الروايات…
لكن يبقى التوكل على الله،
ويبقى الإصرار،
أن هذا السودان يمكن أن يُبنى من جديد.
لذلك،
ربما لم يعد السؤال الأهم:
من سرقو؟
بل:
ماذا تبقى فينا… لم يُسرق؟
الإجابة، ببساطة:
الأمل…
والإرادة…
والإيمان بأن السودان،
رغم كل شيء،
يمكن أن يعود أفضل مما كان.
ليعد الجميع…
قادةً وأفرادًا،
كل من حمل السلاح أو ابتعد،
فالوطن أوسع من الخلاف، وأبقى من كل الانقسامات.
ولنفتح البلاغات، نعم…
بلاغات عن البيوت التي فُقدت،
عن الممتلكات التي ضاعت،
عن كل ما كان غاليًا ونفيسًا وأصبح أثرًا بعد عين.
فالحق لا يسقط بالمشقة،
ولا يضيع لمجرد أن الطريق إليه صار معقدًا.
لكن،
وسط كل هذه الخسارات،
يبقى شيء واحد لا يقبل الضياع:
الوطن.
هو الشيء الذي إن تمسكنا به،
أمكن أن نُعيد كل ما عداه،
وإن تركناه…
لن يبقى ما يستحق أن نختلف عليه.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات