بقلم المخرج مهدي نوري
في السنوات الأخيرة، شهدنا انفجارًا غير مسبوق في منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد الأمر مقتصرًا على تبادل الصور والرسائل، بل أصبح مسرحًا مفتوحًا لملايين الأصوات، يتصدره ما يُعرف اليوم بـ”مقدمي المحتوى” أو “صُنّاع المحتوى”. لكن قبل أن نخوض في هذا العالم المتشعب، يبرز سؤال جوهري: ما هو المحتوى أصلًا؟
المحتوى، ببساطة، هو كل ما يُقال ويُعرض ويُكتب ويُروى. هو الفكرة التي تنتقل من عقل إلى آخر، وهو الحكاية التي تُروى، والخبرة التي تُشارك، والصورة التي تحمل معنى. المحتوى ليس وليد هذه المنصات، ولم يُخلق مع ظهور الهواتف الذكية، بل هو قديم قدم اللغة نفسها. منذ أن بدأ الإنسان يسرد قصته الأولى، ويعبر عن ذاته بالكلمة أو الإشارة، كان هناك محتوى.
ومن هنا، يمكن القول إن المحتوى لا يُصنع بالمعنى الحرفي، بل يُختار. هو موجود في حياتنا اليومية، في تفاصيلنا، في تراثنا، في تجاربنا. ما يفعله مقدم المحتوى الحقيقي هو أنه ينتقي من هذا العالم الواسع ما يستحق أن يُعرض، ثم يقدمه بأسلوبه الخاص. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الاختيار إلى سباق، لا على القيمة، بل على لفت الانتباه.
غياب الرقابة الفعلية على كثير من منصات التواصل فتح الباب على مصراعيه، فلم يعد هناك ذلك الحاجز الذي كان يفرضه المجتمع أو الإعلام التقليدي. لم يعد مقدم المحتوى يخشى كثيرًا من ردة الفعل، أو من محاسبة واضحة، وهذا ما جعل البعض يتجاوز حدود اللياقة، ويتجه نحو عبارات وسلوكيات لا تتماشى مع القيم العامة.
وفي خضم هذا المشهد، يظهر عامل آخر لا يقل تأثيرًا: حب الظهور. تلك الرغبة العارمة في أن يُرى الإنسان ويُسمع، أن يكون حاضرًا في كل شاشة وكل لحظة. ومعها تأتي شهوة الكلام، التي تدفع البعض إلى المبالغة، وتضخيم الأمور، واستخدام مفردات مثيرة للجدل فقط من أجل جذب الانتباه، ولو على حساب المعنى أو الرسالة.
نرى اليوم نماذج كثيرة لمقدمي محتوى يعتقدون أن الجرأة تعني تجاوز الحدود، وأن الانتشار يبرر أي وسيلة. فيزيدون في العبارات، ويرفعون سقف الإثارة، ويصنعون ضجيجًا قد يحقق لهم مشاهدات، لكنه يترك أثرًا مشوشًا في وعي المتلقي، خاصة فئة الشباب.
المسألة هنا لا تتعلق برفض هذا العالم، ولا بمحاربة منصات التواصل، بل بفهمها. فهذه المنصات أداة، يمكن أن تكون وسيلة بناء كما يمكن أن تكون وسيلة هدم. الفرق يكمن في من يستخدمها، وكيف يستخدمها.
المحتوى الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات فقط، بل بعمق تأثيره. والكلمة التي تُقال لا تُمحى بسهولة، بل تبقى وتؤثر، وتُشكّل وعيًا قد يستمر لسنوات. لذلك، فإن مسؤولية مقدم المحتوى اليوم أكبر من أي وقت مضى، لأنه لا يقدم مجرد كلمات، بل يساهم في تشكيل ذائقة مجتمع كامل.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام جيل يصنع وعيًا جديدًا، أم أمام موجة من الضجيج المؤقت؟ الإجابة، ربما، ليست في المنصات نفسها، بل في من يقف أمام الكاميرا، ويقرر ماذا يقول… وكيف يقوله.
