تشهد مدينة تندلتي في الآونة الأخيرة ظاهرة مقلقة تمثلت في التعديات المتزايدة على حرم السكة حديد، عبر إنشاء دكاكين وأنشطة تجارية ملاصقة للمسار، في مشهد يطرح تساؤلات جدية حول غياب الرقابة وتراجع الالتزام بالضوابط التي كانت تحكم هذا القطاع الحيوي.
تحول خطير في التعامل مع الحرم
حرم السكة حديد ليس مجرد مساحة مهملة يمكن استغلالها، بل هو نطاق أمني وفني تحكمه اشتراطات صارمة لضمان سلامة التشغيل وحماية الأرواح والممتلكات. غير أن الواقع في تندلتي يكشف عن تجاوزات واضحة، حيث تم توزيع مواقع داخل هذا الحرم وإقامة دكاكين بصورة عشوائية، دون مراعاة لأبسط معايير السلامة أو التخطيط.
مفارقة الماضي والحاضر المثير للانتباه أن إدارة هيئة السكة حديد السودانية كانت، في السابق، تُخضع أي نشاط لاشتراطات دقيقة، ولا يُسمح بإقامته إلا بعد الحصول على تصديق رسمي من الإدارة العامة للسكة حديد. هذا الانضباط كان يمثل خط الدفاع الأول ضد الفوضى، ويضمن بقاء الحرم آمناً وخالياً من أي تعديات.
أما اليوم، فقد تلاشت تلك الصرامة، لتحل محلها ممارسات تفتقر للضبط المؤسسي، الأمر الذي يفتح الباب أمام مخاطر جسيمة، تبدأ من تهديد سلامة القطارات، ولا تنتهي عند تعطيل خطط التوسعة والصيانة.
مخاطر متعددة الأبعاد
التعدي على حرم السكة حديد لا يقتصر أثره على الجانب العمراني فقط، بل يمتد ليشمل:
مخاطر السلامة: فوجود دكاكين وأنشطة بشرية بالقرب من الخط يزيد احتمالات الحوادث.
فقدان هيبة القانون: حين تُنتهك القوانين دون مساءلة، تتكرس سابقة يصعب معالجتها لاحقاً.
تشوه المشهد الحضري: العشوائية تقوّض أي جهود لتنظيم المدينة وتطويرها.
من المسؤول؟ السؤال الجوهري هنا من الذي سمح بتوزيع هذه المواقع؟ وهل تم ذلك بعلم الجهات المختصة أم في غيابها؟ إن تحديد المسؤوليات يمثل الخطوة الأولى نحو المعالجة، خاصة وأن هذا الملف يتقاطع مع اختصاصات متعددة، تشمل المحلية، والجهات الأمنية، وإدارة السكة حديد.
فالحل يبدأ بإعادة الانضباط لأن المعالجة لا تحتمل التأجيل، وتتطلب حزمة من الإجراءات العاجلة، أبرزها:
ايقاف أي تصاديق جديدة داخل الحرم فوريا و مراجعة كافة التخصيصات التي تمت مؤخراً.
و إزالة التعديات المخالفة وفق القانون.
إضافة إلى إعادة تفعيل دور هيئة السكة حديد كمرجعية أساسية في منح التصاديق.
التنسيق بين المحلية والجهات المركزية لضمان عدم تكرار التجاوزات.
ختاما
إن ما يحدث في السكة حديد تندلتي ليس مجرد مخالفة عابرة، بل مؤشر على خلل أعمق في منظومة الضبط والتخطيط. فحماية حرم السكة حديد مسؤولية جماعية، تبدأ من المؤسسات الرسمية ولا تنتهي عند وعي المجتمع. فإما أن تُستعاد هيبة القانون، أو تستمر الفوضى في التمدد على حساب السلامة والمصلحة العامة.
