أين ما أجتمع السودانيين في بيت فرح، بين التهاني والتبريكات، لا يظل الحديث طويلًا في الفرح نفسه.
سرعان ما ينحرف النقاش إلى السياسة، إلى المعارك العسكرية، إلى التنبؤ بما سيحدث غدًا.
تعلو الأصوات، تتعدد الآراء، ويصبح كل حاضرٍ محللًا… وكأن المشهد بين أيديهم.
وفي بيت العزاء، حيث يفترض أن يسود الصمت، يتسلل حديث من نوع آخر.
الاقتصاد، سعر الصرف، السلع المحظورة، قرارات الإعفاء، وعزل الوزير الفلاني. حتى في المقابر، بين لحظات التأمل، تجد من يفتح نقاشًا عن “الوضع العام” وكأنه لا يحتمل التأجيل.
أما داخل السيارة، التي تترنح فوق أسفلتٍ مليء بالحفر والمطبات،
فالموضوع مختلف، لكنه لا يخرج عن نفس الفكرة.
الحديث عن الكرة، عن المدرب، عن من أخطأ ومن كان يجب أن يلعب،
عن ريال مدريد وبرشلونة،
وكل راكب يملك الخطة الأفضل.
هذا المشهد ليس عابرًا، بل يتكرر يوميًا، في كل مكان تقريبًا.
اهتمام واسع بكل شيء:
السياسة، الاقتصاد، الحرب، الرياضة.
وهنا تظهر فكرة بسيطة لكنها عميقة، طرحها المفكر ستيفن كوفي:
هناك دائرة لما يشغلنا، ودائرة لما نستطيع التأثير فيه.
في السودان، دائرة الاهتمام كبيرة جدًا.
نتحدث عن:
• قرارات الدولة
• مسار المعارك العسكرية
• سعر الدولار
• أداء الفرق العالمية
كل شيء حاضر في وعينا.
لكن في المقابل، دائرة التأثير أصغر بكثير.
في السياسة، نحلل أكثر مما نفعل.
في الاقتصاد، نتابع أكثر مما ننتج.
في المعارك، نراقب أكثر مما نؤثر.
وفي الكرة، نتكلم أكثر مما نلعب.
الفارق واضح، لكنه يتكرر دون أن ننتبه له كثيرًا.
المشكلة ليست في الحديث نفسه.
ولا في الاهتمام بالشأن العام.
لكن عندما يصبح الاهتمام بديلًا عن الفعل،
تبدأ الفجوة في الاتساع.
الوقت يذهب في النقاش،
والطاقة تُستهلك في التحليل،
ويأتي إحساس خفيف بأننا “مشاركون” …
بينما الواقع لا يتغير.
في الجهة الأخرى، هناك مساحة هادئة لا يظهر فيها ضجيج.
دائرة التأثير.
هي ما نفعله فعلًا:
عملنا، مهاراتنا، مشاريعنا، دخلنا.
لا تحتاج إلى نقاش طويل،
لكنها تحتاج إلى جهد مستمر.
بين بيت الفرح، وبيت العزاء، وداخل السيارة،
يتنقل الحديث من موضوع إلى آخر،
لكن الدائرة واحدة.
دائرة واسعة من الاهتمام،
تحيط بكل شيء.
وخارج هذا الحديث،
يبقى الواقع كما هو،
ينتظر من يخرج من دائرة الكلام…
إلى دائرة الفعل.
كتب: أبوعبيده أحمد سعيد محمد
saeed.abuobida5@gmail.com
