الثلاثاء, مايو 5, 2026
الرئيسيةمقالاتفي مواجهة الضجيج… من يروي حكاية الدم؟ ...

في مواجهة الضجيج… من يروي حكاية الدم؟ د/جبريل في قلب السؤال بقلم الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد

■ الذاكرة الأولى للحكاية
في السودان، لا تبدأ الحكاية من السياسة… بل من بيتٍ فقدَ ابنًا، ومن أمٍّ تعلّمت أن تبتسم كي لا ينهار من حولها، ومن شابٍ خرج يبحث عن حياة… فعاد اسمًا على قائمة الغياب. هؤلاء لا يظهرون في الشاشات، ولا تُنقل وجوههم في نشرات الجدل، لكنهم الحقيقة التي لا يمكن إنكارها: أن هذا الطريق كُتب بالدم.

■ دارفور وسياق الألم
في دارفور… حيث لم يكن الصراع رأيًا، بل بقاء، وحيث لم تكن الخيارات مفتوحة، بل ضيقة كحافة النجاة، هناك تشكّلت حكاية من حملوا المواجهة حين لم يكن أحد، ودفعوا الثمن كاملًا… دون أن يطلبوا اعترافًا.

■ حركة العدل والمساواة في السياق
ومن بين هذا السياق، خرجت حركة العدل والمساواة السودانية، لا ككيان سياسي عابر، بل كتعبير عن واقعٍ مُثقَل بالخذلان، وحكايةٍ كُتبت بتضحيات لا يمكن اختزالها في خطابٍ إعلامي.

■ جبريل إبراهيم بين الحاضر والجذور
اليوم، حين يُذكر الدكتور جبريل إبراهيم، يُختزل الرجل في موقعه كوزيرٍ للمالية، ويُفصل عن جذوره، وعن الطريق الذي جاء منه، وكأن المطلوب تقييم الحاضر… دون الاعتراف بما سبقه.
لكن الحقيقة أن الرجل، مثل حركته، ليس ابن لحظةٍ سياسية، بل نتاج مسارٍ طويل من الصراع، تشكلت ملامحه في الميدان… قبل أن تظهر في مؤسسات الدولة.
هؤلاء الذين يُختزلون اليوم في عناوين، هم أنفسهم من سقطوا كي لا يسقط كل شيء. ودماؤهم لم تكن تفصيلًا… بل كانت الأساس الذي يقوم عليه هذا الحديث كله.
لكن في زمن الضجيج، تُختصر الحكايات، وتُمحى التضحيات، ويُعاد تقديم المشهد كأنه مجرد خلافٍ سياسي.

■ التشويه وإعادة الصياغة
وهنا يبدأ التشويه: أن يُنسى الدم… أن تُختزل التضحيات… أن يُعاد تعريف الفاعلين كأنهم طارئون على مشهدٍ صنعوه بأثمانٍ باهظة.
استهداف الدكتور جبريل إبراهيم لا يمكن فصله عن هذا المسار، فالمسألة لم تعد مجرد نقدٍ للأداء، بل إعادة تشكيلٍ للصورة، وفصل الرجل عن تاريخه، وفصل الحركة عن معناها.
النقد حق… لكن محو الذاكرة ليس نقدًا. والتشكيك في تاريخٍ كُتب بالدم… ليس اختلافًا.
السؤال الذي يجب أن يُقال دون خوف: من الذي يستفيد من هذا الفصل المتعمّد بين التضحيات والواقع؟ ومن يربح حين تُقدَّم الحكاية مبتورة… بلا جذور؟
السودان لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات العالية… بل إلى ذاكرةٍ عادلة، ذاكرة لا تخون من دفعوا الثمن، ولا تسمح بإعادة تعريفهم خارج سياقهم.
لأن بعض الحكايات لا تُروى لتُقنع… بل لتمنع النسيان. وحين يتكلم الدم بصدق… لا يبقى للضجيج مكان.
على دربِهم مشى الصبرُ، لا طلبًا للحربِ… بل بحثًا عن حياة، وفي وجوههم ظلَّ الوطنُ حيًّا… رغم كل ما انطفأ من الجهات.

■ جنود العدل والمساواة… ما لا تقوله العناوين
ليسوا عناوين في نشرات الأخبار، ولا أرقامًا تُضاف إلى قوائم الخسارة. هم أبناءُ بيوتٍ تعرف أسماءهم واحدًا واحدًا، وأمهاتٌ ما زلن يُحصين الغياب بصبرٍ لا يُرى.
مشوا في طرقٍ لم تكن فيها الخيارات واسعة، بل ضيقة كحافة النجاة… حيث لا يكون القرار بين حربٍ وسلام، بل بين البقاء… أو السقوط.
في صمتهم حكايات لا تُقال، وفي وجوههم أثرُ طريقٍ كُتب بثمنٍ لا يُستعاد.
وحين يُختزلون اليوم في عناوين سريعة، تُختزل معهم ذاكرة كاملة من التحمّل والتضحية.
الحديث عنهم ليس تمجيدًا للقتال، بل إنصافٌ لقصصٍ البطولة والانسانية… التي لا يجب أن تُنسى.

■ جبريل إبراهيم: قراءة في مسؤوليةٍ تُدار على ثلاث جبهات
في موقعه كوزيرٍ للمالية، يقف د. جبريل إبراهيم عند نقطة تقاطعٍ نادرة، حيث لا يمكن فصل القرار الاقتصادي عن ضغط السياسة، ولا عن واقعٍ ميداني يُعيد تشكيل الأولويات كل يوم.
اقتصاديًا، يتعامل مع مواردٍ محدودة في ظرفٍ استثنائي، حيث تصبح إدارة الندرة بحد ذاتها معركةً للحفاظ على ما تبقّى من استمرارية الدولة.
سياسيًا، يتحرك داخل مشهدٍ معقّد، تتداخل فيه الحسابات، وتُحمَّل فيه القرارات المالية أبعادًا تتجاوز طبيعتها الفنية.
وميدانيًا، لا تنفصل هذه القرارات عن واقعٍ حيّ، تؤثر فيه التحولات على الأرض مباشرةً في مسارات الاقتصاد والدولة معًا.
لهذا، فإن قراءة دوره بمعزلٍ عن هذا التشابك، تُنتج حكمًا ناقصًا… أما وضعه في سياقه الكامل، فيكشف حجم التحدي… لا بساطته.

■ سلام الذاكرة …. و الإنصاف….
سلامٌ لمن جعلوا الحقَّ معيارًا… لا شعارًا.
سلامٌ لمن يختارون الإنصاف… حين يُغري الانحياز.
سلامٌ على دربٍ يُقاس بالعدل… لا بالخطى.

✦ توقيع لا يُنسى ✦
سلامٌ على جنودِ العدلِ في الميدان…
سلامٌ لقلوبٍ تَكيلُ الكَيلَ بالميزان…
سلامٌ لمن ثبتوا حين اختلّت الموازين…
سلامٌ لمن أعادوا للعدلِ وزنهُ دون ضجيج…

سلامٌ وأمان… فالعَدلُ ميزان.
أنا الرسالةُ حين يضيعُ البريد…
وأنا نبضُ الحكاية إن خفتَ الصوت،
أنا امرأةٌ من حبرِ النار…
لكنّي أكتبُ للحياة.

هذا المقال في زمنٍ يعلو فيه الضجيج على الذاكرة، يصبح الإنصاف موقفًا نادرًا.
فليست القضية في الاختلاف، بل في عدم اختزال الناس خارج سياقاتهم.
وحين يُعاد للذاكرة حقها، يهدأ كثير من الجدل.
✍️ عبير نبيل محمد

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات