في كل دول العالم تُعرف شرطة المرور بأنها الجهة التي تنظم السير وتراقب المركبات وتطبق قوانين الطريق، لكن في السودان تجاوز دور شرطة المرور هذه المفاهيم التقليدية، خاصة خلال سنوات الحرب والأزمات، فأصبحت قوة وطنية تعمل في قلب المعركة الإنسانية والأمنية والخدمية معاً.
وحين انهارت مؤسسات كثيرة تحت ضغط الحرب، بقي رجال ونساء المرور واقفين في التقاطعات، يحمون الأرواح، وينظمون حركة الناس، ويحافظون على ما تبقى من مؤسسات الدولة وهيبتها.
لقد قاتل أفراد شرطة المرور جنباً إلى جنب مع بقية القوات النظامية دفاعاً عن الوطن، وسقط منهم شهداء في معركة الكرامة، شهداء لم يحملوا فقط دفاتر المخالفات أو إشارات التنظيم، بل حملوا شرف الواجب الوطني الكامل.
كانوا يدركون أن الحرب لا تعني توقف الحياة، وأن انهيار المرور يعني انهيار حركة الإسعاف، وتعطل الإمدادات، وزيادة الفوضى، وفتح أبواب الجريمة.
ورغم قساوة الحرب، حافظت شرطة المرور على سجلات المركبات والرخص، وهي مهمة قد يظنها البعض إدارية بسيطة، لكنها في الحقيقة قضية أمن قومي.
فأرقام المركبات ليست مجرد لوحات معدنية، بل هي هوية متحركة للدولة، تحفظ الحقوق، وتساعد في كشف الجرائم، وتمنع التزوير والفوضى.
وفي الوقت الذي تعرضت فيه مؤسسات كثيرة للنهب أو الحرق أو التشريد، استطاعت شرطة المرور أن تحافظ على قواعد البيانات والسجلات والمعلومات، وأن تستمر في تقديم الخدمات للمواطنين رغم الظروف المعقدة.
لقد كانت العودة إلى العمل في المناطق المتأثرة بالحرب واحدة من أعظم صور التضحية.
فقد كان رجال المرور من أوائل من عادوا إلى مواقعهم وإلى مقارهم المدمرة أو شبه المدمرة، يعيدون البناء بأيديهم، وينصبون نقاط التنظيم، ويعيدون الحياة إلى الشوارع التي أرهقتها الحرب.
كان منظر رجل المرور وهو يقف وسط شارع مدمر، تحت الشمس أو وسط الغبار، رمزاً لعودة الدولة نفسها.
ولم يقتصر دور شرطة المرور على تنظيم المركبات، بل امتد إلى العمل الإنساني والاجتماعي.
فقد مدوا يد العون لأسر الشهداء والجرحى، وساهموا في علاج المصابين، وشاركوا في نقل الدواء وتوزيعه على المستشفيات والمراكز الصحية.
وفي أوقات الانهيار الصحي ونقص الخدمات، تحولت مركبات المرور أحياناً إلى وسائل إسعاف، وتحول أفراد المرور إلى مساعدين للأطباء والمواطنين.
كما لعبت شرطة المرور دوراً مهماً في مكافحة الجريمة، خاصة جرائم سرقة السيارات والعربات.
فخبرتهم الطويلة في معرفة بيانات المركبات وأرقامها ومساراتها جعلتهم خط الدفاع الأول ضد شبكات التزوير والنهب.
وقد ساهموا في اكتشاف كثير من الجرائم عبر المتابعة والرصد والتفتيش في ميادين الترخيص والشوارع ونقاط الارتكاز.
فكم من عربة مسروقة أُعيدت إلى أصحابها، وكم من متهم سقط بسبب يقظة فرد مرور انتبه لتفاصيل صغيرة لا يلاحظها الآخرون.
وخلال الحرب، لم تتوقف شرطة المرور عن العمل الميداني، بل شاركت في تمشيط العاصمة والولايات، وسهرت على الأمن ليلاً ونهاراً.
ففي الحر القاسي كانوا يقفون لساعات طويلة ينظمون السير، وفي الليل كانوا يرافقون الأطواف والقوافل، يؤمنون تحركات المواطنين، ويساعدون في انتقال الأسر بين المدن والمناطق الآمنة.
ومن أعظم أدوارهم تنظيم الأفواج والأطواف المرورية، خاصة في أوقات النزوح والسفر الجماعي.
فقد حافظوا على أرواح الناس بتنظيم حركة المركبات، ومنع التكدس، وتقليل الحوادث، وإرشاد السائقين، وتأمين الطرق الطويلة.
وكانت قوافل المواطنين تسير أحياناً مئات الكيلومترات تحت إشراف رجال المرور الذين يسبقونها أو يرافقونها حتى تصل بسلام.
أسبوع المرور العربي، او اعياد المرور فلم يكن مجرد احتفال سنوي بالنسبة لشرطة المرور السودانية، بل كان رسالة صمود وتحدٍ.
ففي الوقت الذي كانت فيه أصوات المدافع تُسمع في بعض المناطق، أصر رجال المرور على إقامة أسبوعهم، حفاظاً على رسالتهم التوعوية والإنسانية.
أقاموا الندوات والحملات والإرشادات، لأنهم يؤمنون أن الحرب لا يجب أن توقف ثقافة السلامة المرورية، وأن الحفاظ على حياة المواطن يبدأ من الطريق.
لقد أثبتت شرطة مرور السودان أن رجل المرور ليس مجرد موظف يقف عند الإشارة، بل هو رجل أمن، ورجل قانون، ورجل إنسانية، ورجل دولة.
يقف في الشمس الحارقة لينظم حركة الناس، ويخاطر بحياته وسط الفوضى، ويتحمل غضب السائقين أحياناً، لكنه يستمر في أداء واجبه لأن هدفه الأول حماية الأرواح.
إن الدول تُعرف بمؤسساتها، وشرطة المرور السودانية كانت واحدة من المؤسسات التي صمدت في وجه الانهيار، وحافظت على وجود الدولة في الشارع.
فحين يرى المواطن رجل المرور واقفاً في مكانه، يشعر أن الحياة ما زالت ممكنة، وأن النظام لم يمت، وأن الوطن لا يزال يقاوم.
ولذلك فإن الحديث عن شرطة المرور ليس حديثاً عن المخالفات والرخص فقط، بل حديث عن رجال قدموا التضحيات، واستشهدوا، وعملوا في أصعب الظروف، وحافظوا على الوطن من زاوية قد لا يراها الكثيرون.
إنهم جنود الميدان الصامتون، الذين يكتبون بطولاتهم في الإسفلت، وفي التقاطعات، وفي دفاتر الخدمة اليومية، بعيداً عن الأضواء والضجيج.
فتحية لشرطة مرور السودان في أسبوع المرور العربي،
وتحية لكل شهيد سقط منهم دفاعاً عن الوطن،
وتحية لكل فرد وقف في الشارع ينظم الحياة وسط الفوضى،
وتحية لكل يد ساعدت مريضاً أو أرشدت مسافراً أو أعادت حقاً لصاحبه.
ستظل شرطة المرور السودانية عنواناً للانضباط والصبر والتضحية،
وستظل شاهداً على أن الوطن يمكن أن يُبنى حتى في زمن الحرب،
طالما أن فيه رجالاً يؤمنون بالواجب، ويقفون في مواقعهم مهما اشتدت العواصف.
كل عام ورجال المرور بخير
كل عام والسودان بخير
والله المستعان
