برومديشن… حين يصبح الحوار بديلاً للحرب
في عالمٍ تتنازعه الصراعات، وتثقل كاهله الحروب، تبرز بعض المبادرات كضوءٍ خافتٍ لكنه صادق… لا يحمل سلاحًا، بل يحمل لغةً أخرى، لغة الحوار.
ومن بين هذه المبادرات، تقف منظمة Promediation كأحد النماذج التي اختارت طريقًا مختلفًا… طريقًا لا يُقاس بالضجيج، بل بالأثر.
لكن، في زمنٍ تختلط فيه المصالح بالمواقف، لا يمكن الحديث عن السلام دون الاعتراف بحقيقة مؤلمة:
أن بعض الحروب لا تستمر لأنها معقّدة… بل لأنها مُربحة للبعض، وأن بعض طاولات الحوار لا تفشل لضعفها… بل لأن هناك من لا يريد لها أن تنجح.
ما هي برومديشن؟
هي منظمة غير حكومية فرنسية، تعمل في مجال الوساطة الدولية وبناء السلام، واضعةً نصب عينيها هدفًا واحدًا:
تحويل النزاع من ساحة مواجهة إلى طاولة حوار.
لا تنحاز لطرف، ولا تتدخل لفرض حلول… بل تخلق مساحةً يُسمع فيها الجميع، ويُعاد فيها ترتيب الكلمات بدل إطلاق الرصاص.
✦ فلسفة العمل… الحياد كقوة ✦
تعتمد المنظمة على مبادئ أساسية تُشكّل جوهر عملها:
الحياد التام
الاستقلالية
السرية في إدارة الحوارات
احترام جميع الأطراف
وهنا تكمن قوتها…
ففي زمنٍ يُشترى فيه الموقف، تظل بعض الجهات متمسكة بأن السلام لا يُفرض… بل يُبنى.
✨ دورها في مناطق النزاع
لم تكن برومديشن بعيدة عن مناطق الألم، بل اختارت أن تكون حاضرة في أكثر البيئات تعقيدًا، خاصة في إفريقيا والشرق الأوسط.
تعمل على:
تسهيل الحوار بين الأطراف المتنازعة
دعم المفاوضات السياسية
تدريب القيادات، خاصة النساء، على أدوات التفاوض وبناء السلام
خلق مساحات آمنة للنقاش بعيدًا عن التوترات
وهذا الدور لا يُقاس بعدد الاجتماعات… بل بقدرتها على كسر جدار الصمت وبناء الثقة من جديد.
وفي واقعٍ كسوداننا، حيث تتشابك الجراح مع السياسة، وتتداخل فيه أصوات البنادق مع صرخات الأمهات، تصبح مثل هذه المبادرات ضرورة لا ترفًا…
لأن السلام في السودان لا يحتاج فقط إلى اتفاقيات تُوقّع، بل إلى عقولٍ تُغيّر، وقلوبٍ تتسع، وإرادةٍ ترفض أن يبقى الوطن ساحةً لتصفية الحسابات.
✨ المرأة والسلام… صوت لا يجب أن يُهمّش
من أبرز ما يميّز عمل المنظمة، اهتمامها بمشاركة النساء في عمليات السلام، ليس كعنصر تكميلي، بل كركيزة أساسية.
فالمرأة، التي عاشت ويلات الحرب، ليست مجرد شاهدة… بل صانعة محتملة للسلام، إن أُتيحت لها المساحة.
وهنا، لا يمكن إغفال أن المرأة السودانية تحديدًا، لم تكن يومًا على هامش التاريخ… بل كانت في قلبه، تحمله حين ينهار، وتعيد تشكيله حين يتشظى.
✨ تجربتي… حين لمستُ السلام عن قرب
في إحدى الورش التي نظّمتها منظمة Promediation، لم يكن الحضور مجرد وجوهٍ تجلس حول طاولة… بل كانت أرواحًا تحمل حكاياتٍ ثقيلة، وتجارب ممتدة من الألم والأمل معًا.
جلستُ هناك… لا كإعلامية فقط، بل كامرأةٍ تعرف معنى الحرب حين تلامس تفاصيل الحياة اليومية، وتدرك أن السلام ليس شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تُحمل.
كان النقاش صادقًا، عميقًا، خاليًا من التكلّف…
تحدثت النساء، لا كضيوفٍ في مشهدٍ سياسي، بل كصاحبات قضية، كصوتٍ ظل طويلًا يبحث عن منبر.
شعرتُ حينها أن ما تقدّمه هذه المساحات ليس تدريبًا فحسب، بل إعادة تشكيل للوعي…
أن نختلف دون أن نتخاصم،
أن نُصغي دون أن نقاطع،
أن نبحث عن المشتركات بدل أن نُعمّق الفجوات.
وفي تلك اللحظات، أدركتُ أن السلام يبدأ من هنا…
من هذه الدوائر الصغيرة التي تُزرع فيها الثقة،
لتكبر يومًا، وتُصبح وطنًا يتّسع للجميع.
خرجتُ من تلك الورشة، وأنا لا أحمل أوراقًا فقط…
بل أحمل يقينًا جديدًا:
أن صوت المرأة، حين يُمنح المساحة، لا يُغيّر الحوار فقط… بل يُغيّر المصير.
✨ بين الواقع والطموح
رغم أهمية الدور الذي تقوم به منظمات الوساطة، إلا أن الطريق ليس سهلًا…
فبناء السلام في عالمٍ مضطرب يتطلب:
صبرًا طويلًا
إرادة سياسية حقيقية
وثقةً تُبنى خطوةً خطوة
لكن، يبقى الأمل قائمًا…
طالما أن هناك من يؤمن بأن الكلمة قد تُنقذ ما عجزت عنه القوة.
غير أن الحقيقة التي لا يجب تجاهلها…
أن السلام لا يُهدى للشعوب، بل يُنتزع بإرادتها،
وأن الحوار لا يكون مجديًا، إذا لم يجلس إليه الصادقون… لا الباحثون عن مكاسب مؤقتة فوق أنقاض الأوطان.
و ختاما
ليست كل المعارك تُحسم في ميادين القتال…
بعضها يُحسم في غرف هادئة، حيث يجلس المختلفون، ويتحدثون… لا ليغلب أحدهم الآخر، بل ليجدوا طريقًا مشتركًا للحياة.
وهنا، تكمن رسالة برومديشن…
أن السلام ليس حلمًا بعيدًا، بل خيارًا… يحتاج فقط لمن يؤمن به، ويعمل من أجله.
سلامٌ يُولد من الكلمة… لا من فوهة البندقية.
سلامٌ يليق بوطنٍ أنهكته الحروب… لكنه لم يفقد القدرة على النهوض.
سلام وأمان… فالعدل ميزان.
✍️ توقيع لا يُنسى
أنا الرسالة حين يضيع البريد…
أنا امرأةٌ من حبرِ النار، ومن رمادِ الحروف تولدُ كلمتي،
أكتبُ لأُبقي الذاكرة حيّة، حتى وإن حاول الصمتُ أن يبتلع الحكاية.
عبير نبيل محمد
