بقلم : مهاد عوض
في زحام الحياة وتسارع إيقاعها، يقف الإنسان أمام سؤال جوهري لا يحتمل التأجيل: من أنا حقًا؟ سؤال لا يتعلق فقط بالهوية الشخصية، بل يمتد ليشمل دورنا في هذا العالم، وكيف نعيش هذه الفرصة الفريدة التي تُسمى الحياة.
لقد أصبح كثيرون يعيشون داخل عقولهم، يغوصون في تعقيدات الوجود، ويبحثون عن المعنى وراء كل تفصيلة، من نبضات القلب إلى معجزة التفكير. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن عددًا كبيرًا من البشر يختار الطريق الأسهل، ملاحقًا لذّات مؤقتة، وساعيًا خلف المال والسلطة والمظاهر، دون أن يمنح نفسه فرصة حقيقية لاكتشاف عمق وجوده أو استثمار إمكانياته العقلية الهائلة.
إن أعظم ما يميز الإنسان ليس ما يملك، بل ما يفهمه، وليس ما يجمعه، بل ما يدركه. فالمعرفة ليست رفاهية، بل هي جوهر الحياة، وهي الطريق الذي يقود إلى وعي الذات، ومن ثم إلى إدراك أعمق لجمال الخلق وإبداعه.
وفي قلب هذه المعادلة، تبرز الطاقة الشبابية كأحد أهم عناصر البناء والتغيير. فالشباب ليسوا مجرد مرحلة عمرية، بل هم حالة من الحيوية، والقدرة على الابتكار، والاستعداد لكسر الأنماط التقليدية. إنهم الوقود الحقيقي لأي نهضة، والقوة الدافعة لكل تطور.
لكن الواقع يكشف عن فجوة مؤلمة؛ إذ لا يزال بعض أصحاب الخبرات ينظرون إلى الشباب باعتبارهم تهديدًا، لا إضافة. يتم تهميشهم أحيانًا، أو التقليل من شأنهم، بل وقد تُقابل طاقتهم بالحذر أو حتى الاستفزاز. وهنا يبرز السؤال: لماذا نخشى التجديد؟ ولماذا لا نحتضن الطاقات الصاعدة بدلًا من إقصائها؟
إن الخبرة والشباب ليسا طرفي صراع، بل جناحان لا يمكن لأي مؤسسة أو مجتمع أن يحلق بدونهما. فالتجربة تمنح الحكمة، بينما يمنح الشباب الجرأة. وإذا ما التقت الحكمة بالجرأة، وُلد الإبداع الحقيقي.
لقد تغيرت الحياة، وتسارع إيقاعها بشكل غير مسبوق، وأصبح مواكبتها يتطلب عقلًا منفتحًا وروحًا شابة، بغض النظر عن العمر. لذلك، فإن الاستثمار في الشباب لم يعد خيارًا، بل ضرورة. تطوير مهاراتهم، والاستماع إلى أفكارهم، ومنحهم الفرص، هو الطريق الوحيد لصناعة مستقبل أكثر توازنًا ووعيًا.
في النهاية، لا يمكن أن تُبنى هوية الإنسان بمعزل عن وعيه بذاته، ولا يمكن أن ينهض مجتمع دون أن يؤمن بطاقات شبابه. فالحياة ليست مجرد مرور عابر، بل فرصة للفهم، وللإبداع، ولترك أثر… أثر يُثبت أننا لم نكن مجرد سائحين في هذا العالم، بل صُنّاع معنى وحياة.
