لم تعد الأزمة التي تعيشها الحركة الإسلامية في السودان مجرد خلاف تنظيمي أو تعثر مرحلي، بل تحولت (في نظر كثير من أبنائها والمهتمين بالشأن الإسلامي) إلى أزمة بنيوية عميقة غيبت المؤسسية، وفتحت الباب أمام أنماط من السلوك الوظيفي التي تتعارض مع رسالتها الأولى. فقد تمكنت مجموعات انتهازية محدودة من النفاذ إلى مواقع القيادة، وأعادت تشكيل الحركة على نحو يجعلها أقرب إلى منظومة توظيف مغلقة تعاد فيها صناعة النفوذ وتدوير الامتيازات، بينما تراجعت قيم الشورى والشفافية والمحاسبة التي كانت تمثل أساس العمل الجماعي.
هذا التحول أفضى إلى عسكرة القرار التنظيمي وإقصاء الأصوات الإصلاحية، على نحو يشبه ما حدث في بعض مؤسسات الدولة التي ضعفت فيها المعايير المهنية فغلب عليها منطق الولاء على حساب الكفاءة. وتزايدت النزعة إلى (التملش) كبديل للاحتكام للمؤسسية، بما يتطلبه ذلك من صناعة قيادات وهمية عبر المنصات الإعلامية. ومع مرور الوقت، أصبح هم بعض القيادات هو الاقتراب من السلطة والتمسك بمواقع النفوذ، لا بوصفها تكليفا عاما، بل باعتبارها وسيلة لضمان المصالح الشخصية وإعادة إنتاج شبكات الولاء.
وتتجلى هذه الإشكالية اليوم في الموقف من خصخصة البنك الزراعي السوداني، حيث ينتقد كل من يعترض على بيع مؤسسة وطنية ذات دور استراتيجي. وذلك رغم أن إدارة البنك (ممثلة في مديره الحالي الذي سبق أن ترأس القطاع المصرفي داخل المؤتمر الوطني، وتحيط بمسيرته المهنية انتقادات عديدة، وينظر إليه كأحد قيادات الحركة) قد شرعت مؤخرا في خطوات لتقليص عدد العاملين تمهيدا للخصخصة، أسوة بما جرى في بنك الخرطوم الذي بيع لجهة خارجية تسعى للاستحواذ على مؤسسات اقتصادية وطنية وبثمن بخس، لولا تصعيد النقابة الذي أوقف تلك الإجراءات. هذا التناقض يعكس غياب رؤية مؤسسية مستقرة، ويؤكد أن التوجهات الوظيفية الجديدة داخل الحركة باتت تتقدم على المصلحة العامة.
وأشهد (كمتابع لصيق وأكاديمي يتناول الشأن الإسلامي بالمدارسة والتحليل) أن الكيان الذي عرفناه قبل الإنقاذ لم يعد كما كان. فقد تسرب إليه، منذ العقد الثاني للإنقاذ، فهم دخيل جعل كثيرا من العضوية تتعامل معه باعتباره مسارا وظيفيا لا دعوة إصلاحية. فأصبح التنافس داخله أقرب إلى التنافس الإداري منه إلى الأخوة التي تجمعها غاية مشتركة لوجه الله.
ومن يظن أن الإصلاح يمكن أن يأتي من داخل منظومة لا ترى في وجودها سوى وسيلة لتحقيق مصالحها، فهو كمن يحرث في البحر. فالأعمال بالنيات، نعم، لكن من لم يحدث نفسه بتغيير هذا الواقع المؤلم، فإنه يتخلى عمليا عن مسؤوليته تجاه السفينة التي يركبها، بغض النظر عن وجهتها.
لقد دفعت الحركة ثمنا باهظا نتيجة غياب المراجعة والمحاسبة، إذ فقدت آلافا من أبنائها في حرب الجنوب التي انتهت بانفصاله دون مبرر، وفي دارفور إلى جانب مليشيا الدعم السريع التي مارست سياسة الأرض المحروقة منذ ذلك العهد، ثم في صراعات صفرية انتهت بحرب مدمرة أكلت الأخضر واليابس وشردت الملايين، ضد من سكت على تجاوزاتهم بالأمس. وكان بالإمكان تجنب كثير من ذلك لو وجدت مؤسسات قوية ورؤية رشيدة. ومع ذلك، استمرت القيادة (غير المفوضة) في تقديم العناصر الضعيفة والانتهازية، ومحاربة المصلحين الذين رأت فيهم تهديدا لامتيازاتها، حتى انضم بعض كوادرها إلى التمرد بدافع البحث عن سلطة أو وظيفة أو مال، وهو ذات الدافع الذي جذبهم للحركة حين تحولت إلى (شركة توظيف).
في تقديري، إن صمت العضوية اليوم على خصخصة البنوك والمؤسسات الوطنية الاستراتيجية ليس مجرد موقف سياسي، بل هو تعبير عن هوية جديدة تشكلت داخل الحركة، هوية لا تمت بصلة إلى مشروعها الإسلامي الأول، وتتناقض مع الحس الوطني. ويحق لي أن أتساءل: هل بقي لدى الذين انضموا للحركة في بداياتها، قبل وفاة الشيخ العلامة والمربي الفاضل الدكتور حسن الترابي، من الحس الإسلامي والوطني ما يدفعهم إلى تبني مشروع إصلاحي حقيقي؟ أم يرون أن كلفة الإصلاح عالية، وأن هناك من سينهض به عنهم؟
https://www.facebook.com/share/p/1GUYbojLTC/
