الإثنين, أبريل 13, 2026
الرئيسيةمقالاتتلفزيون السودان… هوية تائهة في زمن متسارع

تلفزيون السودان… هوية تائهة في زمن متسارع


بقلم / الطيب الفاتح أحمد الشمبلي
كاتب وباحث مستقل في دراسات الشرق الأوسط والعلوم السياسية، يولي اهتمامًا خاصًا للقضايا الإفريقية والخليجية.


كلما انبعث ضوء شاشة تلفزيون السودان، يختلج في النفس تساؤل جارف يتخطى الحواجز: هل هذه شاشة وطن ينبض بالحياة أم مجرد صدى خافت لزمن مضى؟ نشاهد حركات وألواناً، لكنها بلا روح ولا مضمون، ونرى شعاراتٍ تكررت حتى فقدت وزنها، وهوية بصرية هرِمت قبل أوانها، لم تعد تحمل وجع الوطن أو تعكس ملامحه المتغيرة تحت وطأة الأحداث والتحولات.
وكأن الشاشة اختارت الانفصال عن الزمن بإصرار غريب، بينما السودان نفسه يمر بانكسارات ونهوض مستمر، يعيد من خلالها تعريف ذاته. باتت الهوية البصرية لتلفزيون السودان لا تعكس مجرد قدمها، بل أصبحت غريبة عن واقعها، عاجزة عن ملامسة مرحلة ما بعد الحرب التي تتطلب خطاباً بصرياً نابضاً يداوي الجراح، ويعيد تشكيل الوعي، ويزرع الأمل في أرض أنهكتها النزاعات.
كيف لوطن يولد من جديد أن يبقى أسير قوالب ميتة في إعلامه؟ وكيف تتغير النفوس بينما الصورة التي تخاطبها تظل ساكنة؟ الحقيقة التي لا تقبل التجميل هي أن المشكلة لا تكمن في الشعار أو الألوان، بل في غياب الرؤية والوعي بأن الإعلام بات شريكاً في صناعة المعنى وإعادة بناء الإنسان، لا مجرد ناقل للأحداث.
الهوية الحالية تفضح نفسها، وتكشف مواطن خلل واضحة: جمود بصري يعكس الخمول، رمزية فقيرة لا تليق بتنوع السودان، انفصال عن واقع ما بعد الحرب، وخوف من الإبداع في زمن لا يرحم المترددين.
ولا بد هنا من كلمة صريحة وقاسية: لن تتغير الصورة إذا بقي العقل المنتج لها على حاله. لسنا بحاجة إلى تحسينات سطحية أو رتوش تجميلية، بل أمام ضرورة تاريخية لثورة بصرية تبدأ بسؤال الهوية: من نحن؟ كيف نرى أنفسنا؟ وكيف نريد أن يرانا العالم؟
يا أصحاب القرار، يا من تديرون الشاشة بصمت، المسؤولية اليوم ليست وظيفة، بل أمانة تاريخية. أنتم لا تديرون قناة تلفزيونية فحسب، بل تشاركون في إعادة رسم صورة وطن خرج من الحرب مثقلاً لكنه لم يفقد كرامته. افتحوا النوافذ، دعوا الهواء الجديد يتسلل، استدعوا المبدعين الحقيقيين، استمعوا لصوت الشباب، صوت الشارع، صوت السودان كما هو لا كما كان. دعوا الهوية تولد من رحم الواقع لا من أرشيف متآكل.
نريد هوية نابضة تعكس التعدد وتلهم الناس، تشبه السودان اليوم بكل تناقضاته وجماله وألمه. هوية إذا ظهرت على الشاشة قال المشاهد: هذا نحن، بلا تزييف أو أقنعة. تذكروا أن الشاشة التي لا تتجدد تذبل حتى تختفي، والهوية التي لا تتطور تتحول من مصدر قوة إلى عبء ثقيل.
أما السودان، هذا الوطن الذي علم العالم معنى الصبر، فلا يليق به أن يُختزل في هوية مرهقة عاجزة عن التعبير. وكما قال الفريق أول ياسر العطا: كل من يكبل الدولة عليه أن يغادر غير مأسوف عليه.
إما أن نملك شجاعة إعادة تعريف أنفسنا، أو نترك الآخرين يرسموننا كيفما شاءوا. والتاريخ لا يمنح فرصاً ثانية للمترددين.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات