عندما كلفت الجامعة العبرية الأكاديمية الإسرائيلية الدكتورة “نعوم شازان” في البحث عن الصراع السياسي في أفريقيا، أشارت في إحدى أوراقها التي نشرت في كتاب بعنوان ” مصادر الديمقراطية – ثقافة المجموع أم دور النخبة” ” دار الساقي 1994″ قالت نعومي في بحثا ( أن الطبقة الحاكمة في أفريقيا هي في معظم الأحيان طبقة دولة، لآن ثقافتها و قيمها الرئيسية و قدرتها و قاعدتها الاقتصادية تأتت من علاقتها بالدولة) هذه النتيجة التي وصلت إليها نعومي أيضا قد وصل إليها الدكتور المصري أسامة الغزالي حرب في كتابه ” الأحزاب السياسية في دول العالم الثالث” عندما أشار إلي أن النخب دائما يتمحور وجودها بقرب امن لسلطة، الأمر الذي يضعف دورها السياسي الإيجابي في تطوير العملية السياسية، و في عدم اتساع مساحات الرأي.. لآن دورها سوف يكون يتركز على البحث عن مصالحها الخاصة دون المصالح العامة..
و إذا نظرنا لتاريخ السودان السياسي بعد الاستقلال، نجد أن النظامين الأيديولوجيين ” يسار و يمين” هما اللذان كان تركيزهما على الدولة كممول أساسي لهما ” الاتحاد الاشتراكي 1971 – 1985 و المؤتمر الوطني 1989 – 2019″ و التمول لا يكون قاصرا على النخب الملتف حول النظام، و أيضا يشمل الإدارات الأهلية و الطرق الصوفية و عضوية الحزب و غيرها.. هي الآليات التي تخلق الفساد في الدولة، و تجلب كل الأمراض الاجتماعية لأن الدولة تكون ساحة واسعة لحركة الانتهازيين و الوصوليين و المتملقين، و تضيق مساحات الرأي و حرية التعبير، و يت التضييق على دور الإعلام و الصحافة و حتى المؤسسات الإبداعية الأخرى للدراميين و الكتاب و غيرهم.. و يصبح الدور الأكبر إلي للأجهزة القمعية مناط بها حماية مصالح هؤلاء و ليس مصالح الدولة و المواطن..
إذا نظرنا إلي التغيير الذي أحدثه رئيس مجلس السيادة و القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يعتبر التغيير خطوة في إبعاد الجيش كمؤسسة عن السياسية، و أصبح بحكم التغيير هناك شخص واحد مسموح له بالحديث في السياسة هو البرهان باعتباره رئيس مجلس السيادة. و في حدود وظيفة الفريق أول شمس الدين الكباش مساعد القائد العام و المسؤول عن شؤون البناء و التخطيط الإستراتيجي، و من خلال سياق العمل في التخطيط الإستراتيجي.. و هي وظيفة أكبر و أكثر اتساعا من السابقة “نائب للقائد العام للجيش” لآن وظيفة التخطيط الإستراتيجي ليست قاصر في الشأن العسكري، أنما تتداخل فيها العملية السياسية، و باعتبارها الترياق الحي للدولة و وظيفتها..
إذا نظرنا إلي العملية السياسية الجارية في البلاد، و التي من المفترض أن تكون في خط موازي للعملية العسكرية، و أيضا تتقاطع معها، نجد أن العملية السياسية جامدة و غير فاعلة، و العملية السياسية في زمن الحرب هي التي يقع عليها دور التعبئة و الحشد و الاستنفار، و مواجهة التحديات الخارجية و الداخلية و غيرها.. لكن الملاحظ؛ هو الغياب الكامل للعملية السياسية، إلا في حدود نشاطات خارجية تهدف فقط المشاركة في لقاءات تقوم بالدعوة لها منظمات خارجية، أو دول خارجية تحاول أن تحدث أختراقا في حائط الرفض للتفاوض مع الميليشيا و اتباعها، في اعتقاد أن الذين يتم دعوتهم يمثلون القوى المؤيدة للجيش.. هذا الغياب السياسي وسط المجتمع الآن، هو الذي جعل قائد الجيش بنفسه يقوم بعمليات الطواف على المناطق التي يتم تحريرها من قبضة الميليشيا و الالتقاء مع المواطنين لمعرفة أحوالهم، و أيضا بالطواف على المكونات الاجتماعية، و خاصة الشباب و الفنانين و المبدعين و غيرهم، بهدف أن يحافظ على اللحمة بين الشارع و الجيش.. و إذا نظرنا لها في سياق الأحداث إذا كانت في السودان أو في المنطقة و التحولات العالمية تحتاج إلي تطوير..
أن العلاقة التي تربط الشارع بالسلطة، إذا ظلت علاقة في حدود التلقي و الحفاظ على موقف التأييد، و بعيدا عن التفاعل الذي يخلق وعيا جديدا في البلاد، سوف تضعف مستقبلا هذه العلاقة بحكم المؤثرات و الأحداث الجارية.. لذلك لابد من رباط عضوي مع الجماهير من خلال منحهم المساحة التي تمكنهم من المشاركة في صناعة القرار، إذا كان الهدف هو الحفاظ على وحدة السودان، و عملية البناء للدولة على أسس مغايرة للسبعين سنة الماضية.. لا أقول؛ أن الرباط يجب أن يكون مثل التجارب السياسية السابقة، أنما يندرج تحت مسؤولية التخطيط الإستراتيجي لكيفية بناء الدولة على أسس جديدة سياسية و اقتصادية بما يضمن استقرارها السياسي و الاجتماعي و الأمن و الشروع في النهضة الاقتصادية.. أن النهضة التي حدثت في العديد من الدول تقدمها المفكرين، و ليس من مهمة هؤلاء المفكرين تطبيق الأفكار بل أكتشاف الأفكار التي تساعد على تجاوز التحديات، و خلق واقعا جديدا يساعد على إنتاج الأفكار و الإبداع..
هناك رؤيتان أن يكون الحاكم عينه على السلطة، و هي رؤية تحتاج إلي الغموض و عدم الصراحة، و تعتمد على المناورة، و تغيب فيها الشفافية و تقليص مساحات التعبير، و الاعتماد فيها على الأجهزة القمعية.. و هي تحتاج لذات الأدوات التي كان قد استخدمت سابقا، و لم تقدم غير الفشل في الأمن و الاقتصاد.. و هناك رؤية أخرى للبناء و النهضة و تهدف إلي الاستقرار السياسي و الاجتماعي و التوزيع العادل للسلطة و الثروة، وهي تؤسس على خلق واقع جديد للسودان، يتحول من دولة فاشلة إلي دولة ناهضة.. لذلك أن يكون العمل لها منذ الآن.. و تكون تحت دائرة التخطيط الإستراتيجي. أن يشكل لجنة تنسيق وطنية عليا من عناصر لها الكفاءة بعيدا عن الرموز السياسية التي يأتي دورها بعد ما تشرع اللجنة في الاتصال بكل كفاءت السودان داخليا و خارجيا لتقديم رؤاهم من خلال دراسات و بحوث و أفكار في كل القطاعات ” السياسي مسودة دستور أو مقترح أخر و الأحزاب و نظام الحكم و القضاء و الاقتصادي بكل حقوله الزراعية و الصناعية و التعدين و الأمني و الصحة و القطاع الأيديولوجي الذي يشمل التعليم و الصحافة و الإعلام على أن تبشار اللجنة عملها داخل السودان، و بعد أكتمال المطلوبات، تدعو سلطة الدولة للحوار الوطني، الذي يشمل جميع المكونات السياسية، و التيارات الفكرية و الأكاديمية و الإعلامية و النقابات بهدف الوصول لتوافقات وطنية تضع أسس بناء الدولة السودانية… نواصل. نسأل الله حسن البصيرة…
