عندما تدق طبول الحرب الكبرى، وتنكشف عورات الأمم، لا يتبقى في الساحة إلا “الأصيل” الذي تشرّب تراب أرضه، أو “الدخيل” الذي ينتظر سقوط السقف ليقتات على الركام. إن ما تقدمه إيران اليوم في صراعها الوجودي مع قوى الاستكبار العالمي (أمريكا وإسرائيل)، ما كان استعراض قوة عسكرية، إنما هو زلزالٌ قيمي يضرب مفاهيم التبعية والوهن، ويضع الجميع أمام مرآة الحقيقة العارية.
قفوا ملياً عند مشهد المخرج العالمي جعفر بناهي؛ رجلٌ قارع السلطة، سُجن، وحُورب في رزقه وفنه، لكنه حين استُدعي لحمى الوطن، عاد محمولاً على كبرياءٍ لا يلين، صائحاً في وجه العالم: “سأذهب إلى بلدي لأموت فيها”.هذا هو الدرس الذي يفصل بين “المناضل” و”الخائن”:
- بناهي لم يبع إحداثيات وطنه للسفارات، ولم يقبض ثمن “نضاله” بالدولار في عواصم الضباب.
- إنه يفرق بين النظام وبين الأرض؛ يعارض الحاكم حتى العظم، لكنه يفدي ذرة ترابٍ واحدة بروحِه. يا كل من استحلّ دم بلاده لخصومة مع حاكم: تعلموا من “بناهي” أن الوطن ليس فندقاً نغادره حين تسوء الخدمة، بل هو الروح التي لا تسكن إلا في جسدها الأصيل.
عندما تملي إيران شروطها العشرة لتركيع الخصم، فهي لا تتحدث بلسان فئة أو طائفة، بل بلسان “دولة” صهرت خلافاتها في فرن التحدي وأخرجته عصارة وطنية راسخة وثابتة . إن القوة التي تجعل العواصم الكبرى تحسب لها ألف حساب، ليست نابعة من فوهات المدافع وحدها ، إنما من حقيقة مرعبة للأعداء: أن الجبهة الداخلية صخرة صماء.
الدرس هنا بليغ وقاسٍ: “إن أي حكومة، مهما بلغت من القوة، إذا كانت معزولة عن شعبها، تسكن في بروج مشيدة وتترك مواطنيها في عراء الخوف، هي حكومةٌ من ورق، ستحرقها أول شرارة”. والعكس هو الصحيح؛ فحين يلتحم الحاكم والمحكوم ضد الغريب، تتلاشى المستحيلات.
ويا سودان العزة، وأنت توغل في العام الثالث من حربٍ أكلت الأخضر واليابس.. أما آن لهذا الدرس أن يُستوعب؟
إلى الحكام:* إن استقواءكم بغير شعوبكم هو “سرابٌ” بلقع؛ فالشعب هو الدرع، والعدالة الاجتماعية هي الذخيرة، ودون ذلك هو الهلاك المحقق.
إلى المحكومين والمعارضين:* إن من يراهن على كسر إرادة جيشه أو دولته نكايةً في نظام، هو كمن يحرق بيته ليقتل بعوضة!
لا خير في معارضةٍ تستجدي النصر من خلف الحدود، ولا نبل في خصومةٍ تبيح تشريد الملايين.
إن الاعتصام وتوحد المواقف في مواجهة العدو هو أبلغ درس في فقه البقاء. فلو حشدتم كل جيوش الأرض في حكومةٍ لا يثق بها شعبها، لن تحصدوا إلا الخزي. أما الشعب الذي يرفض الانكسار، فهو الذي يكتب شروطه بمداد الفخر.
إنها رسالة ببريدٍ معمدٍ بالدم والدموع: الأوطان لا تسقط من الخارج إلا إذا نُخرت من الداخل. كفوا عن الهدم، والتفتوا لتسكين جراح هذا الوطن المنهك. تعلموا أن الرجولة هي أن تختلف مع “السلطة” في الغرف المغلقة، وتلتحم مع “الدولة” في خنادق الشرف.
فإما وطنٌ شامخٌ بكبرياء أهله، أو شتاتٌ لا يرحمه التاريخ!
