بقلم :مهاد عوض
في أعماق كل إنسان مساحة خفية، لا يراها الآخرون بسهولة، لكنها تنعكس في تصرفاته دون أن يشعر. هذه المساحة قد تكون مليئة بالرضا والسلام، وقد تكون مثقلة بالنقص والاضطراب. وهنا تبدأ الحكاية… فليس كل من يؤذيك يفعل ذلك لقوتك، بل أحيانًا لأنه يرى فيك ما يفتقده في نفسه.
الإنسان الذي يعاني نقصًا داخليًا، غالبًا لا يواجه ذاته بشجاعة، بل يهرب من هذا الشعور عبر إسقاطه على الآخرين. فتجده يفتش عن العيوب، يضخم الأخطاء، ويشكك في النوايا. لا يهنأ بنجاح غيره، ولا يصفق لإنجاز، لأنه ببساطة يرى في نجاح الآخرين تذكيرًا مؤلمًا بعجزه هو. فيبدأ بمحاولات التشويه، بالكلمة أحيانًا، وبالإيحاء أحيانًا أخرى، وكأن إسقاط الآخرين سيمنحه شعورًا زائفًا بالكمال.
وهذا السلوك ليس عابرًا، بل هو انعكاس لحالة داخلية معقدة؛ شعور بالدونية، خوف من التهميش، وربما إحساس عميق بأن الزمن قد تجاوزه. لذلك يحاول أن يثبت وجوده بأي طريقة، حتى لو كانت على حساب سمعة الآخرين وراحتهم النفسية.
لكن الأخطر من هذا النموذج، هو ذلك الشخص الذي يجمع بين النقص والخداع. الذي يقترب منك بدافع الفضول لا المودة، ويصادقك ليقرأك لا ليحتويك. يحتفظ بملاحظاته عنك، ليس ليعينك، بل ليستخدمها ضدك عند أول اختلاف. هذا النوع لا يهاجمك من الخارج، بل يتسلل إلى داخلك، يعرف نقاط ضعفك، ثم يضربك بها في الوقت الذي لا تتوقعه. خيانة هذا الشخص لا تؤلم لأنها حدثت، بل لأنها جاءت ممن ظننته يومًا سندًا.
وعندما نضع كل ذلك في سياق الاغتراب، تصبح الصورة أكثر وضوحًا وأكثر قسوة في الوقت ذاته. الغربة ليست فقط انتقالًا جغرافيًا، بل تجربة نفسية عميقة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل. في الوطن، نحن محاطون بدوائر الأمان: أهل، أصدقاء، ذكريات، وهوية مستقرة. أما في الغربة، فنكون في حالة انكشاف، نبحث عن الانتماء، عن كلمة طيبة، عن يد تمتد لنا في وقت الضيق.
ومن الطبيعي أن نتوقع أن من يشاركوننا هذه الغربة سيشعرون بنا، وسنكون لبعضنا عونًا وسندًا. لكن الواقع، في كثير من الأحيان، يأتي بعكس ذلك. فنجد أنفسنا أمام نماذج بشرية تتعامل مع الغربة كفرصة للهيمنة لا للتكاتف، كسباق لا كرحلة مشتركة.
في الغربة، تظهر بعض الشخصيات التي تتغذى على تعب الآخرين. إن رأتك متعبًا، زادت الضغط عليك، وإن شعرت بأنك تحاول الوقوف، حاولت إعاقتك. وكأن نجاحك يهدد وجودها، وكأن دعمك يُنقص من قيمتها. فيتحول التنافس إلى صراع خفي، وتتحول العلاقات إلى ساحات اختبار للنفوس.
والأشد مرارة، هو التناقض الصارخ بين ما يُقال وما يُفعل. شعارات مثالية تُرفع في العلن: التعاون، الأخوة، الدعم… لكن في الخفاء، تُمارس القسوة، وتُحاك المؤامرات الصغيرة، ويُستخدم الضعف الإنساني كسلاح. هذه الازدواجية تُفقد الإنسان ثقته، لا في الآخرين فقط، بل أحيانًا في نفسه أيضًا.
لكن، هل الغربة هي السبب؟ أم أنها مجرد كاشف؟
الحقيقة أن الغربة لا تخلق الطباع، بل تكشفها. فهي تضع الإنسان في ظروف تضغط عليه، فتُظهر حقيقته دون تجميل. من كان يحمل خيرًا، يزداد عطاءً، ومن كان يحمل نقصًا، يظهر نقصه بشكل أوضح.
ومع كل هذا، لا يمكن أن نظلم الصورة بالكامل. فهناك من يضيئون دروب الغربة بإنسانيتهم، من يقفون معك دون أن تربطهم بك مصلحة، من يمنحونك شعور العائلة وأنت بعيد عنها. هؤلاء هم الاستثناء الجميل، وهم الدليل على أن الخير لا يزال قائمًا، رغم كل شيء.
إن المشكلة الحقيقية ليست في الآخرين فقط، بل في غياب الوعي الذاتي. في عدم مواجهة النفس بصدق. فلو أن كل إنسان التفت إلى داخله، وسأل نفسه: لماذا أضايق من نجاح غيري؟ لماذا أفرح بتعثره؟ لماذا أبحث عن عيوبه؟
لأدرك أن المشكلة ليست في الآخرين، بل في جرح داخلي يحتاج للعلاج، لا للإسقاط.
نحن بحاجة لإعادة ترتيب مفاهيمنا، أن ندرك أن الرزق ليس فقط مالًا، بل راحة نفس، وسمعة طيبة، وعلاقات نظيفة. وأن ما نزرعه في الناس، سيعود إلينا يومًا ما، بشكل أو بآخر.
وفي النهاية، تبقى حقيقة لا تتغير:
قد ينجح البعض مؤقتًا بالخداع، وقد يظلم آخرون دون رادع، لكن هناك عدل إلهي لا يغفل، وميزان لا يختل. أما من يتعامل بضمير حي، فهو وحده من يعيش بسلام، لأنه لا يحمل في داخله ما يخجل منه.
فاختر أن تكون نقيًا، حتى لو لم يكن العالم كذلك.
اختر أن تكون داعمًا، حتى لو لم تجد من يدعمك.
فالقيم الحقيقية لا تُختبر في الراحة، بل في أصعب الظروف… وهناك فقط، تظهر معادن البشر على حقيقتها.
