الكاتب والمحلل السياسي : زكريا علي عبدالرسول
في السودان، لا تنتهي الثورات عند لحظة سقوط الحاكم، بل تبدأ عندها معركة إعادة تشكيل السلطة. إسقاط الأنظمة في الشارع لا يعني تفكيكها في الواقع، حيث تتقدم المؤسسة العسكرية في اللحظة الحاسمة لتعيد ترتيب المشهد وفق موازين القوة، لا وفق شعارات الثورة.
تتشابه الصورة في ظاهرها فهناك شارع ضاغط، نظام يتهاوى، وجيش يتدخل. لكن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة هذا التدخل وحدود تأثيره في مسار ما بعد السقوط.
في أبريل 1985، بلغ الحراك الشعبي ضد نظام نميري ذروته، وكانت الدولة على حافة الانهيار. تدخلت المؤسسة العسكرية بقيادة المشير عبدالرحمن سوار الذهب ، فحسمت المشهد بإزاحة رأس النظام، دون أن تدخل في صراع على الشرعية مع الشارع. جاء تدخلها كفعل حاسم أنهى مرحلة وفتح الطريق أمام انتقال واضح المعالم.
ذلك النموذج قام على معادلة مستقرة: (الشارع ينتج الشرعية، والجيش يؤمن الانتقال ثم ينسحب).
ساعد على ذلك أن المؤسسة العسكرية لم تكن آنذاك متغلغلة في بنية الاقتصاد والسياسة، ولم تكن مرتبطة بشبكات مصالح معقدة تجعل الخروج من السلطة مكلفًا.
اما في ديسمبر 2019، سقط النظام تحت ضغط الشارع، غير أن السقوط لم يكن قطيعة كاملة مع بنية الحكم. المؤسسة العسكرية كانت جزءًا من تلك البنية، ومتداخلة مع مفاصلها الاقتصادية والأمنية، ومرتبطة بتوازنات إقليمية معقدة. لذلك جاء تدخلها بوصفه إعادة صياغة للمشهد، وليس إنهاءً له بالكامل .
تحول دور الجيش من حارس لمرحلة انتقالية محدودة إلى شريك مباشر في تعريفها. وأصبحت فترات الانتقال مفتوحة على التفاوض، تختلط فيها الشرعية الثورية بحسابات القوة، وتتداخل فيها الإرادة الوطنية مع الضغوط الإقليمية.
تبدلت كذلك طبيعة القوى المدنية. ففي ابريل 1985، وُجد مركز سياسي واضح تمثل في نقابات فاعلة وأحزاب قادرة على استلام السلطة، ما وفر شريكًا جاهزًا لتولي الحكم. أما في ديسمبر 2019، برزت قوى شبابية أكثر حيوية وجذرية، لكنها أقل تنظيمًا وتماسكًا، ما أضعف قدرتها على تحويل الزخم الثوري إلى مشروع حكم مستقر. هذا الاختلال أوجد فراغًا سياسيًا واسعًا سرعان ما ملأته المؤسسة العسكرية دون تردد.
زاد من تعقيد المشهد السياق الإقليمي. فأحداث 1985 جرت في بيئة أقل تشابكًا، بينما جاءت ثورة ديسمبر2019 في محيط إقليمي متوجس من التحولات، ما جعل القرار العسكري جزءًا من توازنات أوسع تتجاوز الداخل السوداني.
بهذا المعنى، لم تعد الشرعية مسألة محسومة كما كانت في السابق، بل أصبحت موضوعًا لإعادة التعريف وفق موازين القوة. تراجعت الحدود الفاصلة بين الفعل الثوري وإدارة الدولة، وبرزت فجوة واضحة بين القدرة على إسقاط الأنظمة والقدرة على بناء البديل.
الخلاصة أن الثورات في السودان تنجح في إزالة قمة السلطة، لكنها تتعثر في حسم معركة ما بعدها. وفي تلك المساحة غير المحسومة، تتقدم المؤسسة العسكرية باعتبارها القوة الأكثر تنظيمًا وقدرة على الفعل. المشكلة لا تكمن في حضور الجيش بقدر ما تكمن في هشاشة البديل المدني وعجزه عن التحول إلى مشروع حكم متماسك.
تستمر الدورة السياسية على هذا النحو: ثورة تُسقط رأس النظام، ثم مرحلة انتقال تعيد توزيع السلطة، وجيش يعيد تموضعه داخل المشهد دون أن يغادره. وفي ظل غياب مركز مدني قادر على الحسم، تظل هذه الدورة مفتوحة على التكرار.
،،، سروري وخالص تحياتي،،،
