الإثنين, أبريل 6, 2026
الرئيسيةتقارير"السودان ساحة النفوذ الخليجي… أبوظبي والرياض في مواجهة غير معلنة

“السودان ساحة النفوذ الخليجي… أبوظبي والرياض في مواجهة غير معلنة

الخرطوم :المجد نيوز
لم يعد الدور الذي تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة في المنطقة العربية مجرد حضور دبلوماسي أو استثماري تقليدي، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى نفوذ متعدد الأبعاد، يتداخل فيه السياسي بالأمني والاقتصادي، في مشهد معقد يثير جدلاً واسعًا، خاصة في الدول التي تعاني من هشاشة داخلية، وعلى رأسها السودان.
بدأ هذا التحول بشكل واضح عقب موجة التغيرات التي شهدها العالم العربي منذ عام 2011، حين تبنت أبوظبي سياسة خارجية أكثر حدة ووضوحًا، قائمة على إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. لم تكن هذه السياسة معزولة عن السياق الدولي، بل جاءت ضمن شبكة تحالفات إقليمية ودولية، هدفها المعلن مواجهة تيارات الإسلام السياسي، لكنها في الواقع امتدت لتشمل دعم أطراف بعينها داخل نزاعات محلية، ما جعلها لاعبًا مؤثرًا في مسارات تلك الصراعات.
في السودان، تتجلى هذه التعقيدات بصورة أكثر وضوحًا. فمنذ اندلاع الحرب، تحوّل البلد إلى ساحة صراع إقليمي غير معلن، تتداخل فيه المصالح وتتصارع فيه الإرادات. وتذهب تقارير دولية وتحقيقات إعلامية إلى توجيه اتهامات للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، سواء عبر التمويل أو الإسناد اللوجستي، وهي اتهامات اكتسبت زخماً أكبر مع تصاعد الحديث عن انتهاكات واسعة في إقليم دارفور.
هذا الاتهام لم يبقَ في حدود الإعلام، بل انتقل إلى المسار القانوني الدولي، حيث لجأت الحكومة السودانية إلى القضاء الدولي متهمة أبوظبي بالتواطؤ في جرائم جسيمة. غير أن القضية لم تُحسم قانونيًا حتى الآن، إذ اصطدمت بإشكالات تتعلق بالاختصاص، ما أبقى الملف مفتوحًا بين روايتين متناقضتين: الأولى تتحدث عن دور خفي في تأجيج الصراع، والثانية تنفي ذلك جملة وتفصيلاً وتعتبره استهدافًا سياسيًا.
في خضم هذا المشهد، لم تعد العلاقة بين الإمارات والمملكة العربية السعودية على حالها السابق. فبعد سنوات من التحالف الوثيق، بدأت التباينات تطفو على السطح، خاصة في الملفات الساخنة مثل اليمن والسودان. ففي الوقت الذي تميل فيه الرياض إلى دعم مؤسسات الدولة التقليدية، تُتهم أبوظبي بالانخراط في دعم قوى موازية، ما خلق حالة من التنافس غير المعلن بين الطرفين، تتجاوز الخلاف التكتيكي إلى صراع أوسع حول النفوذ الإقليمي وقيادة المشهد العربي.
هذا التوتر لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى في السياسة الإقليمية، وعلى رأسها انفتاح الإمارات على إسرائيل بعد توقيع اتفاقيات التطبيع. فقد شكل هذا التحول نقطة مفصلية في إعادة ترتيب التحالفات، حيث عززت أبوظبي موقعها في شبكة العلاقات الدولية، لكنها في المقابل أثارت تساؤلات داخل المنطقة حول طبيعة هذا التقارب وحدوده، ومدى انعكاسه على القضايا العربية التقليدية.
وفي سياق الجدل المتصاعد، يبرز ملف رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين كواحد من أكثر القضايا إثارة للغموض عالميًا. ورغم تداول تقارير إعلامية تتحدث عن شبكة علاقات واسعة شملت شخصيات من دول متعددة، إلا أن أي ربط مباشر وموثق بين قيادات إماراتية وهذه القضية لا يزال في إطار الادعاءات غير المثبتة، وهو ما يجعل التعامل معه صحفيًا يتطلب قدرًا عاليًا من الحذر والتدقيق.
أمام هذا المشهد المركب، ينقسم التقييم العام للدور الإماراتي إلى اتجاهين متباينين. فهناك من يرى أن ما تقوم به أبوظبي يمثل تدخلًا مباشرًا يسهم في إضعاف الدول وإعادة تشكيلها وفق مصالح خارجية، بينما تعتبر الإمارات أن سياساتها تأتي في إطار حماية الاستقرار الإقليمي ومواجهة التهديدات الأمنية، خاصة في بيئة مضطربة تعج بالصراعات.
لكن، وبغض النظر عن التفسيرات المتباينة، يبقى الثابت أن الإمارات أصبحت لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلة الشرق الأوسط، وأن حضورها في ملفات مثل السودان لم يعد هامشيًا، بل مؤثرًا في مسار الأحداث نفسها.
وفي ظل استمرار الصراع، وتزايد حدة التنافس الإقليمي، يظل السؤال الأهم معلقًا:
هل تمثل هذه السياسات محاولة لإعادة بناء المنطقة وفق توازنات جديدة، أم أنها تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تعميق أزماتها؟

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات