بدأت الرحلة قبل الفجر. حزمنا امتعتنا الصغيرة ودفتر ملاحظات لتدوين فيه ملاحظاتي، كنت أؤجل الكتابة فيه من شهور، استحقاقا لهذا الدفتر التدوينات الهادفة ،
الطريق إلى شكيري البعيدة أخذ ست ساعات، البداية من كوستي احياء متفرقة لكننا تجمعنا في مواعيد واحدة الرابعة صباحا لنتجة شمالا الي محلية ام رمتة بالنيل الأبيض الي منطقة شكيري ، انطلقت الحافلة في طريق جزء منه إسفلت، والباقي درب رملي تموج فيه الكثبان كأمواج متجمدة، بلون الذهب الباهت. الريح كانت ترسم خطوطا ناعمة على الرمل، وتكشف أحيانا عن آثار أقدام واطارات سيارات عبرت قبلنا بساعات،
في الحافلة جلست انظر الي النافذة. مررنا بقرى نائمة، وأطفال يلوحون من بعيد، وراع يسوق غنمه بهدوء كأن الوقت لا يعنيه. كلما تعمقنا في الصحراء خف الضجيج في رأسي، وصار صوت الإطارات على الرمل هو الموسيقى الوحيدة.
وصلنا عندالحادية عشر ونيف والشمس كانت حارة لكنها نظيفة. استقبلنا أهل المكان شكيري الصامدة بابتسامات واسعة وكأننا ضيوف عائدون لا غرباء. امرأة كبيرة وضعت على يدها علي كتفنا ترحابنا ممزوجنا بابتسامة ودمعات حارة، ورجل قدم لنا تمرا وماءا باردا قبل أن نجلس. قال: “الضيف لا يدخل جائعا، وعطشانا هذه عادتنا.”
نعلم جيدا أن هؤلاء الناس يحملون حزنا ثقيلا فقدوا سبعة عشر فردا من أهلهم في حادث قريب،بمسيرات العدو الظالمة ومع ذلك، لم نري انكسارا في عيونهم، بل تماسكا هادئا وصبرا يشبه صبر الرمل أمام الريح. كانوا يخدموننا كأن الجرح لم يمس كرمهم، وكأن الضيافة جزء من عزائهم.
في حديثنا معهم ، تكلموا ببساطة عن ثقتهم الكبيرة في القائد حاكم البلد، رئيس مجلس السيادة البرهان وقال أحدهم وهو يصب الشاي “نحن لا نخاف الموت، ولا يرهبنا إرهاب المرتزقة. الأرض أرضنا، والصبر سلاحنا.” قالها دون صراخ، كأنها حقيقة يعيشونها كل يوم.
الجهة المنظمة لرحلتنا جمعية أهل الثواب،بالتعاون مع الإدارة التنفيذية للتأمين الصحي كانوا شعلات من الامل ومصابيح نور لاتعرف الانطفاء قاموا بتجهيز برنامجهم كاملا المتمثل في اليوم العلاجي جهزوا ادواتهم وفرشوا بساطا وضعوا عليه أدوات رياضية بسيطة – حبال مطاطية، كرات خفيفة، وداعمة نفسية اخذت جانبا مع الاطفال والشباب والنساء قدموا بسخاء خدماتهم لأهل المنطقة دون مقابل، وكأنوا يقولون باستمرار “نحن معكم.”
تكلم الناس قليلا، وبكوا قليلا، وضحكوا فجأة على ذكرى قديمة لأحدهم. كانت اللقاءات ممزوجة بالحنين، بأسماء الذين غابوا تقال بين الجمل كأنهم حاضرون. كان في ذلك تخفيف للحزن، لا نسيان له، وواجب عزاء يؤدى بالصمت حينا وبالكلام حينا آخر.
جلسنا جميعا في دائرة صامتة نشرب الشاي بالنعناع ونحتسي القهوة مع أهل شكيري وهم يرفضون أن نساعدهم. قدموا لنا خبزهم وتقاسمنا معهم الزاد وأصروا أن نأخذ للطريق زادا آخرا ، نظرنا للأفق حيث انصهرت الشمس في الرمل بلون نحاسي. شعرنا بان الوقت يذهب وان اليوم بات يتلاشي لم يكن التعب حليفنا لكنه صار قوتنا ، كأنه فهم أخيرا إننا استمعتنا به.
الرحلة في العودة كانت هي نفسها ست ساعات عبر الكثبان والطرق المفتوحة، نعود الي كوستي ومعنا مساحة صغيرة من الهدوء، ودفء تلك الضيافة واليوم العلاجي المليان نشاط وحيوية وصورة ناس يحزنون بعمق لكنهم يقفون، يتحركون، يكرمون، يصبرون، ويؤمنون، ويجدون من يقف معهم بسخاء.
هذه الرحلة التي اجملتها في سطور لم تكن عابرة بل كانت سبق لجمعية اهل الثواب الخيرية التي نظمتها في فترة قليلة وبروح فريق متناغم متجانس وشراكات واعية لدورها المجتمعي و لانستطيع الا ان نقول لهم شكرا جمعية اهل الثواب ممثلة في زهور حسن النصري واماني العمدة وياسر سيكا ومحمد جمال واحمد المقبول شكرا ادارة التامين الصحي لتوفير الدواء والكادر المحترم مساعد الصيدلي مامون وضابطة التامين الفاضلة بكين شكرا ومجلس الطفولة ممثل في الشاب الخلوق عبدالرحيم شكرا للسستر نوال المحترمة وللقامة الاعلامية اعتدال عبدالوهاب والداعمة النفسية نازك شكرا للسائق منصور ولابنه الخدوم وتحية شكر خاصة لديوان الأوقاف الإسلامية
وتقدير خاص للاب الروحي لجمعية اهل الثواب الخيرية صلاح هنيدي والذي كان في استقبالنا عند محطة العودة ب28،
الرحمة والمغفرة لشهداء شكيري والثواب الجميل من عندالله تعالي لجمعية اهل الثواب الخيرية.
