نايلة علي محمد الخليفة
التغيير في قمة هرم هيئة الأركان وإن كان في جوهره ، خطوة إدارية روتينية في عرف القوات المسلحة السودانية ، فهو يحمل في طياته رسائل سياسية وعسكرية تخاطب الداخل والخارج ، خاصة في ظل حرب أعادت تشكيل ملامح الدولة السودانية ، الدفع بالفريق أول ياسر حسن العطا رئيسًا لهيئة الأركان يفتح الباب واسعًا أمام تساؤل مشروع ، هل نحن على أعتاب مرحلة جديدة من العمليات يمكن أن نطلق عليها إن جاز التعبير “معركة الكرامة 2”.
الإجابة ترتبط أولًا بطبيعة الرجل ، ياسر العطا ليس قائدًا مكتبيًا ، بل هو أحد أبرز القادة الذين التصقوا بالميدان في أصعب لحظات الحرب ، خاصة في منطقة أم درمان العسكرية ، حيث ظل حاضرًا في قلب المواجهة عندما كانت الخرطوم ترزح تحت تمدد المليشيا ، هذا الحضور الميداني يمنحه أفضلية في قراءة تفاصيل المعركة ، ويعزز من قدرته على اتخاذ قرارات سريعة تتناسب مع إيقاع الحرب المتغير.
غير أن هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن المرحلة السابقة ، الفريق أول محمد عثمان الحسين ، ورغم ما طال أدائه من انتقادات تتعلق ببطء العمليات ، أدار المعركة في ظروف شديدة التعقيد ، حيث تعددت الجبهات واختلطت الحسابات السياسية بالعسكرية ، ومع ذلك نجح في إعادة ترتيب المشهد تدريجيًا ، وألحق خسائر كبيرة بالمليشيا ، من تخوم القضارف شرقًا إلى مسارح العمليات في كردفان ، كانت تلك مرحلة استنزاف ضرورية ، مهدت الطريق لما يمكن أن يأتي بعدها ، هنا يأتي دور العطا ، الذي يستلم مسرح عمليات مختلفًا ، وخصمًا فقد كثيرًا من تماسكه ، التحدي أمامه لا يتمثل في الاستمرار بذات النهج ، بل في الانتقال إلى مرحلة أكثر حسماً ، تقوم على تسريع العمليات وفرض واقع ميداني جديد ، شخصيته الحاسمة ، وخبرته الميدانية ، وقدرته على رفع الروح المعنوية للقوات ، قد تجعل من هذه المرحلة أكثر حيوية واندفاعًا ،
لكن الحسم العسكري وحده لا يكفي ، فكل تقدم على الأرض يحتاج إلى تثبيت واستقرار ، وإلا ظل إنجازًا مؤقتًا ، كما أن طبيعة الحرب الحالية ، التي تدور في بيئات مختلفة و معقدة ، تفرض تحديات إضافية تتطلب توازنًا دقيقًا بين الحسم والانضباط ، وبين القوة والحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة.
لذلك يمكن النظر إلى هذا التغيير بوصفه انتقالًا من مرحلة إدارة المعركة إلى مرحلة السعي لإنهائها بتمام النصر ، وإذا كانت المرحلة السابقة قد اتسمت بالصبر وإعادة التوازن ، فإن المرحلة المقبلة قد تحمل عنوان التسريع والحسم ، بشرط أن تُدار بوعي كامل بتعقيدات الواقع.
ياسر العطا أمام اختبار حقيقي ، ليس فقط في قدرته على قيادة المعركة ، بل في تحويل ما تحقق من تقدم إلى نهاية كاسحة وواضحة المعالم ، فالمعارك لا تُحسم فقط بالقوة ، بل بحسن التقدير وإدارة اللحظة ، والأيام القادمة ستكشف إن كانت “معركة الكرامة 2” قد بدأت بالفعل ، أم أن الحرب لا تزال تحتفظ بمفاجآتها… لنا عودة.
