السبت, أبريل 4, 2026
الرئيسيةمقالاتمهاد الحروف ...

مهاد الحروف متعلم بلا أخلاق… خطر صامت يهدد روح المجتمع.

بقلم :مهاد عوض

في زمنٍ تتكاثر فيه الشهادات، وتُزيَّن به الأسماء بالألقاب، لم يعد معيار التفوق هو مقدار ما يحمله الإنسان من علم، بل كيف ينعكس هذا العلم على سلوكه وقيمه. وهنا يبرز نموذج خطير يتسلل بهدوء إلى نسيج المجتمع: متعلم بلا أخلاق. خطره لا يكمن في جهله، بل في علمٍ لم يهذّب نفسه، ولم يوقظ ضميره.
فالعلم في جوهره ليس مجرد معلومات تُحفظ، ولا نظريات تُتلى، بل هو رحلة وعي تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل. هو نورٌ إن دخل القلب أصلحه، وإن لامس العقل ارتقى به، وإن انعكس على السلوك جعله أكثر رحمة واتزانًا. لكن حين يُفصل العلم عن منظومته الأخلاقية، ويتحوّل إلى أداة استعراض أو وسيلة للسيطرة، فإنه يفقد روحه، ويصبح خطرًا أكثر من الجهل نفسه.
المتعلم بلا أخلاق لا يرى في علمه مسؤولية، بل امتيازًا يُبيح له التعدي على الآخرين. يتحدث بثقة، لكنه يفتقد الحكمة. ينتقد بلا رحمة، ويحلل نوايا الناس وكأنه وصيٌّ على قلوبهم. يتتبع الزلات، ويضخم الأخطاء، ويغفل أن أولى الناس بالمراجعة هو نفسه. والأسوأ، أنه يُغلف سلوكه هذا بثوب الثقافة، فيُضلل من حوله ويُربك المفاهيم.
هذا النموذج لا يهدد الأفراد فقط، بل يضرب في عمق الثقة المجتمعية. فعندما يرى الناس شخصًا متعلمًا يمارس القسوة، أو يتورط في الغيبة والنميمة، أو يستخدم معرفته للإساءة بدل الإصلاح، فإنهم يفقدون ثقتهم في قيمة العلم ذاته. وهنا تتحول الثقافة من مصدر إلهام إلى مصدر نفور، ويُصبح الجهل أهون في نظر البعض من علمٍ بلا ضمير.
ولعل الأخطر أن هذا النوع من الأشخاص غالبًا ما يعيش صراعًا داخليًا خفيًا؛ فهو يدرك – ولو في أعماقه – هشاشة ما بداخله، فيحاول تعويض ذلك بالتعالي على الآخرين، أو بالتدخل في شؤونهم، أو بإسقاط عيوبه عليهم. فينشغل بالناس هروبًا من مواجهة ذاته، ويملأ فراغه الداخلي بضجيج النقد والتقليل.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في قلة التعليم، بل في اختزال معناه. فالتعليم الذي لا يزرع التواضع، ولا يعمق الإحساس بالمسؤولية، ولا يُنمّي الضمير، هو تعليم ناقص مهما بلغ من التخصص والدقة. فالمثقف الحقيقي ليس من يعرف أكثر، بل من يعي أكثر، ويشعر أكثر، ويُحسن استخدام ما يعرف.
المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء حين تُفرغ القيم من مضمونها، وحين يُرفع أشخاص بلا أخلاق إلى واجهة التأثير. فهؤلاء لا يسيئون لأنفسهم فقط، بل يربكون الأجيال، ويشوهون القدوة، ويجعلون الطريق إلى الارتقاء مشوشًا ومليئًا بالتناقضات.
ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للأخلاق ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية. فالعلم يحتاج إلى ضابط داخلي يحميه من الانحراف، ويعيد توجيهه نحو البناء لا الهدم. وهذا الضابط هو الضمير الحي، والوازع الديني، والوعي الحقيقي بمعنى الإنسان.
في النهاية، يبقى السؤال أكثر إلحاحًا:
ما قيمة عقلٍ ممتلئ بالمعلومات، لكنه خالٍ من الرحمة؟
وما فائدة علمٍ لا ينعكس نورًا على صاحبه، بل ظلاً ثقيلاً على من حوله؟
فالحقيقة التي لا تتغير، أن المجتمعات لا تُقاس بعدد المتعلمين، بل بنوعية إنسانيتهم. وأن أعظم درجات العلم، أن يصبح الإنسان أكثر أخلاقًا، لا أكثر تعاليًا.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات