د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
شكلت «حرب الكرامة» في السودان محطة مفصلية في تاريخ الدولة الحديثة، حيث كشفت هذه الحرب عن حقائق عميقة تتعلق بطبيعة الصراع، وصلابة المؤسسات العسكرية، وحجم التحديات التي تواجه الدول ذات الإمكانات الكامنة. لقد أثبتت هذه الحرب، بما لا يدع مجالًا للشك، أن القوات المسلحة السودانية تُعد من بين أكثر الجيوش صلابة من حيث العقيدة القتالية والانضباط والقدرة على التماسك تحت أقسى الظروف، وهو أمر لا يتحقق إلا عبر تراكم تاريخي طويل من الخبرات والتجارب العسكرية.
إن ما تعرضت له هذه القوات لم يكن مجرد مواجهات تقليدية، بل هجمات منظمة ومدروسة، استهدفت بنيتها الاستراتيجية والمعنوية في آن واحد. مثل هذا النوع من الحروب المركبة، الذي يجمع بين الضغط العسكري المباشر والاستنزاف الداخلي، يُعد من أخطر أشكال التهديد التي قد تواجه أي جيش في المنطقة. ومع ذلك، فإن هذه التحديات، بدلًا من أن تُضعف القوات المسلحة السودانية، زادتها تماسكًا وصلابة، وأعادت تأكيد دورها كعمود فقري للدولة السودانية.
ولا يمكن فهم هذه الأحداث بمعزل عن السياق الأوسع، حيث إن هذه المؤامرات لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة إدراك عميق لمقدرات السودان البشرية والطبيعية، ولإمكاناته كدولة فتية قادرة – إذا توفرت لها البيئة المناسبة – على أن تتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة، بل وربما إلى دولة ذات وزن عالمي. من هنا، كان استهداف الداخل أحد أبرز أدوات إضعاف هذه الدولة الصاعدة، عبر خلق تمردات داخلية تسهم في تشتيت الجهد الوطني واستنزاف الموارد.
وفي هذا الإطار، تبرز قوات الدعم السريع كمثال واضح على هذا التحدي الداخلي، حيث تجاوزت في ممارساتها كل الأطر التي يمكن أن تُدرج ضمن مفهوم «المعارضة» أو «التمرد» بالمعنى التقليدي. فالتمرد، في السياقات التاريخية، غالبًا ما يكون موجّهًا نحو تحقيق أهداف سياسية أو إصلاحية محددة، مع قدر من الالتزام – ولو النسبي – بقواعد الاشتباك أو التمييز بين المدني والعسكري. أما ما يحدث في الحالة السودانية، فيمثل خروجًا صارخًا عن هذه القواعد، حيث تتسم العمليات بطابع تدميري ممنهج لا يفرق بين مؤسسات الدولة ولا بين المدنيين والعسكريين.
إن الانتهاكات التي طالت المدنيين، من قتل ونهب واعتداءات جسيمة، إضافة إلى استهداف المرافق الحيوية مثل المستشفيات – كما حدث في مستشفى الجبلين – تمثل خرقًا واضحًا لكل القوانين الوطنية والدولية، بما في ذلك قواعد القانون الدولي الإنساني. فاستهداف الكوادر الطبية والمنشآت الصحية يُعد من أخطر الجرائم في زمن النزاعات، لما له من أثر مباشر على حياة المدنيين وحقهم في الرعاية الصحية.
هذه الممارسات لا تعكس فقط غياب الانضباط العسكري، بل تشير أيضًا إلى غياب البوصلة الوطنية، حيث يتحول السلاح من أداة للدفاع عن الوطن إلى وسيلة لتدميره. وهو ما يجعل هذا الصراع أكثر تعقيدًا، إذ لم يعد مجرد مواجهة بين طرفين، بل أصبح تهديدًا وجوديًا للدولة نفسها.
وفي ظل هذه الظروف، يبرز دور القوات المسلحة السودانية كحارس للدولة وكيانها، حيث يمثل صمودها رسالة واضحة بأن الجيوش الوطنية الحقيقية لا تُستفز بسهولة، ولا تنهار أمام الضغوط، بل تزداد قوة وصلابة كلما اشتدت الأزمات. فالعقيدة العسكرية القائمة على حماية الأرض والعرض والمقدسات تُعد عاملًا حاسمًا في الحفاظ على تماسك الدولة في أوقات المحن.
ختامًا، فإن ما يمر به السودان اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار تاريخي لقدرة الدولة على الصمود وإعادة البناء. ورغم قسوة التحديات، فإن التجربة أثبتت أن الشعوب التي تمتلك مؤسسات عسكرية راسخة، وإرادة وطنية صلبة، قادرة على تجاوز الأزمات، مهما بلغت حدتها، واستعادة مسارها نحو الاستقرار والتنمية.
