بقلم/ د. نفيسة إبراهيم الأمير
في منطقةٍ تتقاطع فيها خطوط التوتر وتتعدد فيها مراكز التأثير، لم تعد الأزمات مجرد أحداث عابرة، بل تحوّلت إلى اختبارات مستمرة لقدرة الدول على فرض التوازن ومنع الانزلاق نحو الفوضى، في ظل تصاعد التنافس الإقليمي وتداخل الملفات السياسية والأمنية، لا سيما المرتبطة بالدور الإيراني في عدد من الساحات. وفي هذا السياق، يبرز اليمن بوصفه إحدى أكثر النقاط حساسية، وساحةً مركزية لإعادة تشكيل موازين القوى، ومجالًا يتجلى فيه تصاعد الدور السعودي كفاعلٍ يسعى إلى ترسيخ الاستقرار وصياغة معادلات أكثر توازنًا.
الدور السعودي: من إدارة الأزمة إلى صناعة الاستقرار
لم تأتِ المقاربة السعودية تجاه اليمن كردّ فعلٍ تقليدي على أزمة ممتدة، بل تطورت إلى نهجٍ متكامل في إدارة الأزمات المركّبة، يجمع بين الحضور السياسي والدبلوماسي، والدعم الأمني والعسكري، إلى جانب الانخراط في المسارات الاقتصادية والإنسانية.
ويعكس هذا التوجه انتقالًا من إدارة الأزمة إلى محاولة بناء بيئة استقرار مستدامة، عبر دعم مؤسسات الدولة ومعالجة اختلالاتها البنيوية ضمن سياق إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه المصالح والنفوذ، بما في ذلك تأثيرات التنافس الإقليمي مع إيران.
الشراكة مع القيادة العسكرية اليمنية:
في هذا الإطار، برزت الشراكة مع القيادة العسكرية اليمنية كأحد أهم مسارات دعم الاستقرار. حيث يضطلع وزير الدفاع الفريق الركن الدكتور طاهر العقيلي بدورٍ محوري في الدفع نحو بناء مؤسسة عسكرية حديثة تقوم على الاحترافية وتوحيد القرار، وربط الإصلاح العسكري بمسارات أوسع لتعزيز كفاءة الدولة.
وفي المقابل، يعمل رئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن الدكتور صغير بن عزيز على ترجمة هذه الرؤية إلى واقعٍ ميداني، من خلال الإشراف على الخطط العملياتية، وتطوير برامج التدريب والتأهيل، ورفع مستويات الجاهزية والانضباط داخل القوات المسلحة.
إعادة بناء المؤسسة العسكرية:
يعكس هذا التكامل بين المستويين القياديين، ضمن بيئة من الدعم والشراكة الإقليمية، توجهًا أوسع نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية في اليمن على أسس مهنية قادرة على التكيف مع التحديات المتغيرة، وفي مقدمتها التحديات المرتبطة بالتدخلات الإقليمية، بما يعزز من قدرة الدولة على فرض الاستقرار الداخلي.
كما أن هذا المسار يتقاطع مع الدور الإقليمي للمملكة العربية السعودية، والتي تعمل على دعم الاستقرار ضمن مقاربة متعددة الأبعاد، تعزز من قدرات الدولة اليمنية بدلًا من استبدالها أو تجاوزها.
توازنات جديدة وشراكة استراتيجية:
إن ما يتشكل من تقاطع بين الجهود السعودية والدور القيادي اليمني لا يندرج في إطار تعاون مرحلي فحسب، بل يشير إلى شراكة استراتيجية تتبلور تدريجيًا لإعادة ضبط التوازنات في واحد من أكثر ملفات المنطقة تعقيدًا.
ومع استمرار هذا النهج، تتزايد فرص الدفع نحو تسوية سياسية أكثر واقعية، شريطة الحفاظ على زخم التنسيق وتطوير أدواته بما يواكب متطلبات المرحلة، ويمهّد لانتقالٍ نحو الاستقرار والتنمية في اليمن والمنطقة عمومًا، في ظل توازنات إقليمية لا تزال قيد التشكل والتبدل.
د. نفيسة إبراهيم الأمير
