الثلاثاء, مارس 31, 2026

مسارات السودان يعود… حين يتحول الألم إلى قرار د.نجلاء حسين المكابرابي

ليس في تاريخ الأمم لحظةٌ أشد صدقًا من تلك التي تُجبر فيها على مواجهة نفسها. لا شعارات، لا تبريرات، لا هروب إلى الأمام. فقط الحقيقة العارية: ماذا نحن؟ وماذا نريد أن نكون؟
السودان اليوم يقف في هذه اللحظة الفاصلة.
ليس كبلدٍ منكسر، بل كأمةٍ أُرهقت… لكنها لم تنكسر. أمةٍ دفعت ثمنًا باهظًا من دم أبنائها، ومن أحلام شبابها، ومن صبر أمهاتها… لكنها لم تفقد القدرة على النهوض.
لقد طال الألم… حتى صار جزءًا من الذاكرة اليومية.
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن، ليس الألم ذاته، بل الاعتياد عليه. أن يصبح الخراب طبيعيًا، والانقسام مألوفًا، والتراجع قدرًا لا يُقاوَم.
وهنا تحديدًا تبدأ العودة.
الألم… حين يتحول إلى وعي
ليست كل المعاناة عبثًا. فبعض الألم يُنضج الأمم، ويُسقط عنها أوهامها، ويُجبرها على إعادة تعريف أولوياتها.
السودان اليوم يعرف—أكثر من أي وقت مضى—ثمن الفوضى، وثمن الانقسام، وثمن أن تُترك الدولة بلا دولة.
هذا الوعي هو أول الطريق.
لأن الأمم لا تتغير حين تُهزم… بل حين تفهم لماذا هُزمت.
القرار… لحظة الخروج من الدائرة
كل الأزمات في السودان لم تكن نقصًا في الإمكانات، بل غيابًا للحسم.
ترددٌ مزمن، حلول مؤقتة، تسويات هشة… أعادت إنتاج الأزمة بدل إنهائها.
العودة تبدأ من قرار واضح:
لا مكان للفوضى بعد اليوم
لا شرعية إلا للدولة
لا مستقبل بلا استقرار
إنها لحظة اختيار، لا تحتمل التأجيل ولا المساومة.
الفعل… حين تتحول الأحلام إلى واقع
كم من وطنٍ امتلك الرؤية… وسقط لأنه لم يمتلك الإرادة؟
السودان لا يحتاج إلى مزيد من التشخيص، بل إلى الفعل:
إعادة بناء مؤسسات الدولة من الجذور
إطلاق الاقتصاد من قيوده
توجيه الموارد نحو الإنتاج لا الصراع
الفعل هو الفارق بين وطنٍ يحلم… ووطنٍ ينهض.
الوطن… مشروع لا يحتمل الانتظار
السودان ليس مجرد أرضٍ تُدار، بل فكرة يجب أن تُستعاد.
فكرة العدالة، والانتماء، والكرامة.
حين يصبح الوطن مشروعًا:
يعمل له الجميع
ويتحمل مسؤوليته الجميع
ويؤمن به الجميع
عندها فقط، تتغير المعادلة.
من الرماد… تبدأ الحكايات الكبرى
أعظم الدول في التاريخ لم تُولد في لحظات الاستقرار، بل خرجت من قلب الأزمات.
وما يمر به السودان اليوم—رغم قسوته—يحمل في داخله بذرة تحول تاريخي.
المدن التي دُمّرت يمكن أن تُبنى أفضل
الاقتصاد الذي انهار يمكن أن يُعاد أقوى
الثقة التي تكسرت يمكن أن تُرمم… بصدق هذه المرة
لكن ذلك كله مرهون بشرط واحد:
أن نُقرر… أن نبدأ.

السودان يعود… لا لأن الظروف تحسنت، بل لأن أبناءه قرروا أن لا ينتظروا تحسنها.
يعود حين يصبح الألم دافعًا لا عبئًا،
والفرصة مسؤولية لا احتمالًا،
والوطن عهدًا لا شعارًا.
السودان يعود… حين نؤمن أن الغد لا يأتي وحده، بل يُصنع.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات