لم تكن “حرب الكرامة” مواجهة عسكرية مثل سائر الحروب وقد استنزفت العتاد والأنفس، إنما كانت ما زالت زلزالاً اجتماعياً ضرب أركان البنية النفسية للشباب السوداني، كأكبر مكون سكاني في البلاد ، مخلفاً وراءه شروخاً غائرة في جدار الطموح. فقد توقفت بين صليل السيوف ودوي المدافع، عقارب الساعة في معصم جيلٍ كامل، ليدخل في “برزخ” القلق والانتظار، حيث لم يعد السؤال عن “متى ننجح؟” بل “كيف ننجو؟”.
إن المشاهد الدرامية التي طفت على سطح الواقع مؤخراً، من متسلقٍ لأبراج الكهرباء يائساً، أو ممزقٍ لقسيمة زواج محبوبته في مشهدٍ تراجيدي، وثالث يضرب في الأرض يائساً حائراً تتقاذفه الهموم يمنةً ويسرةً ، ليست هذه حالات فردية، بل هي “ترمومتر” يقيس درجة الغليان النفسي عند شبابنا اليوم .
- التسلق العدمي: هو صرخة احتجاج ضد أرضٍ ضاقت بما رحبت، وبحث عن أفق -ولو كان قاتلاً- بعيداً عن ضجيج التهميش.
- تمزيق الميثاق الغليظ: هو إعلان استسلام أمام واقعٍ اقتصادي واجتماعي حطم “قدسية الأمل”، حيث يصبح التخلي عن المحبوب أسمى آيات التضحية حين يعجز الشاب عن توفير أدنى مقومات الحياة.
لقد أفرزت الحرب واقعاً مأزوماً، وشللاً في مفاصل الحياة ، حيث تحولت المسارح إلى مخازن للصمت، والأندية الرياضية إلى ساحات للمواجع أو ثكنات للنزوح. هذا الانقطاع القسري عن الأنشطة الشبابية أدى إلى: - العطالة المقنعة والسافرة: إغلاق المصانع والشركات خنق فرص العمل، فبات الشاب السوداني يواجه فراغاً قاتلاً، وهو فراغ لا يملؤه إلا الإحباط.
- انحسار الفضاء الثقافي: غياب المسرح والنشاط الاجتماعي أدى إلى انطواء الشخصية السودانية المبدعة، مما ولد إحساساً عميقاً بـ “العجز المكتسب”.
حين تتسارع خطى الزمن دون إنجاز، ويتولد الشعور بالعدمية، يصبح المجتمع موعوداً بموجات من التفلتات السلوكية والأمنية. فإن الضغط الذي يمارسه الواقع على هؤلاء الشباب قد يخرجهم عن طور “الحكمة السودانية” المعهودة، مما يستوجب وقفة جادة.من الدولة والمجتمع معاً ..
إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه يتطلب تضافر الجهود في مسارين: - دور الدولة: ضرورة ابتكار مشاريع تحت مسمى “اقتصاد الحرب” لتستوعب الطاقات الشبابية الهادرة ، مع فتح قنوات للدعم النفسي والإرشاد المجتمعي لترميم الشروخ الوجدانية.
- دور المجتمع: إعادة تعريف مفاهيم “التكافل” ليتجاوز المأكل والمشرب إلى “الدعم المعنوي”، وكسر قيود التقاليد التي تضغط على كاهل الشباب في ظل هذه الظروف الاستثنائية.
إن الحرب قد تنتهي غداً، لكن آثارها في نفوس الشباب خاصة ستبقى طويلاً ما لم تكن هناك إرادة حقيقية لجبر هذا الكسر. إننا لا ندافع اليوم عن وطن بحدوده الجغرافية فحسب، بل ندافع عن “إنساننا” الذي هو وقود الإعمار ومنارة الغد.
