الأحد, مارس 29, 2026
الرئيسيةمقالاتالإمارات وحرب الاستنزاف الفاشلة في السودان… حين يسقط “الفاعل المنظم” أمام إرادة...

الإمارات وحرب الاستنزاف الفاشلة في السودان… حين يسقط “الفاعل المنظم” أمام إرادة وطن

مصطفى بشير عيسى

منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تعد المعركة مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى صراع مركب تُدار خيوطه عبر منظومة متكاملة تتداخل فيها الأدوات العسكرية والسياسية والإعلامية. وفي قلب هذه المنظومة، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كفاعل منظم وموجه، يدير – بصورة مباشرة وغير مباشرة – مسار العمليات، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا: إطالة أمد الحرب واستنزاف الدولة السودانية عبر دعم مليشيا الدعم السريع.
غير أن ما لم تدركه أبوظبي، أو تجاهلته عن عمد، هو أن السودان ليس ساحة رخوة يمكن إعادة تشكيلها وفق حسابات الخارج، بل هو وطن تتجذر فيه إرادة شعبية صلبة، وجيش وطني يمتلك من الخبرة والقدرة ما يكفي لإعادة رسم معادلات الميدان مهما تعقدت الظروف.
لقد كشفت التطورات الميدانية، لا سيما ما جرى في الكرمك بولاية النيل الأزرق، عن أبعاد خطيرة في هذا التدخل، حيث لم تعد المسألة مجرد دعم لوجستي أو إسناد غير مباشر، بل امتدت – بحسب ما تشير إليه المعطيات – إلى تداخل إقليمي أكثر تعقيدًا، برزت فيه مشاركة ملحوظة من الجانب الإثيوبي، في محاولة لفتح جبهات ضغط جديدة على الدولة السودانية. غير أن هذه المحاولات، بدلًا من أن تُحدث اختراقًا، تحولت إلى واحدة من أكبر حلقات الفشل المتلاحق، بعد أن تصدت لها القوات المسلحة السودانية بحسم واقتدار.
ففي الكرمك، لم يكن المشهد مجرد صد هجوم، بل كان درسًا عسكريًا مكتمل الأركان، جسّد فيه الجيش السوداني، مدعومًا بالقوات المشتركة وقوات العمل الخاص والشرطة والمستنفرين، نموذجًا متقدمًا في التنسيق والجاهزية، مكّنه من سحق القوة المعتدية وتكبيدها خسائر فادحة وغير مسبوقة في الأرواح والعتاد. لقد سقطت رهانات “الإدارة عن بُعد”، وتكشّف عجز “الفاعل المنظم” عن ترجمة دعمه إلى مكاسب حقيقية على الأرض.
لكن الخسارة الأكبر لم تكن ميدانية فحسب، بل كانت سياسية ومعنوية بالدرجة الأولى. إذ أثبت الشعب السوداني، مرة أخرى، أنه العنصر الحاسم في هذه المعادلة، حين اصطفّ خلف قواته المسلحة في موقف وطني نادر، شكّل طوقًا صلبًا حول الدولة، وأفشل كل محاولات الاختراق أو زعزعة الجبهة الداخلية. هذا الالتفاف الشعبي الواسع لم يترك مجالًا لأي قوة خارجية للمناورة، مهما امتلكت من أدوات أو موارد.
وفي المقابل، ظلت الإمارات تراهن على أصوات معزولة، فقدت صلتها بالشارع السوداني، ولم تعد تمثل سوى نفسها، بل وأصبحت – في نظر غالبية الشعب – نموذجًا للارتهان والتبعية، ما جعلها عاجزة حتى عن الظهور داخل الوطن، خوفًا من الرفض الشعبي المتصاعد. وهنا يتجلى أحد أبرز أوجه الفشل الاستراتيجي: الاعتماد على وكلاء بلا حاضنة، وظنّ أن صناعة النفوذ يمكن أن تتم خارج إرادة الشعوب.
ورغم هذا الفشل المتكرر، لا تزال أبوظبي تُصر على المضي في ذات المسار، محافظة على “هدفها” كما تراه، لكنها تتجاهل حقيقة أن الإصرار على الخطأ لا يحوله إلى صواب، وأن تكرار الأدوات ذاتها في بيئة معادية شعبيًا ومتماسكة وطنيًا لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، واستنزاف الموارد دون تحقيق أي اختراق يُذكر.
إن معركة الكرامة الوطنية التي تخوضها القوات المسلحة السودانية، مدعومة بكل مكونات القوة الوطنية، لم تعد مجرد رد فعل على تمرد مسلح، بل تحولت إلى معركة وعي وسيادة، تُسطر فيها دروس واضحة لكل من يظن أن بإمكانه إعادة تشكيل السودان من الخارج. فهنا، حيث يلتقي السلاح بالإرادة، وحيث يقف الشعب جيشًا خلف جيشه، تسقط كل حسابات التدخل، ويتبدد وهم السيطرة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الإمارات أمام مفترق طرق حقيقي: إما مراجعة حساباتها والاعتراف بواقع جديد تشكّل على الأرض، أو الاستمرار في نهج أثبت فشله، والمضي في حرب استنزاف لن تجلب لها سوى مزيد من الخسائر السياسية والأخلاقية.
فالسودان، الذي صمد في وجه العواصف، لن يُكسر بإدارة خارجية، ولن يُهزم ما دام شعبه متمسكًا بأرضه، وجيشه ماضيًا في معركته حتى النهاية.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات