السبت, مارس 28, 2026
الرئيسيةمقالاتد.محمد عثمان يكتب…. إنسان الجزيرة.. والجود بالموجود

د.محمد عثمان يكتب…. إنسان الجزيرة.. والجود بالموجود


حين نكتب عن الجود بالموجود، فنحن بالضرورة نكتب عن إنسان الجزيرة؛ ذلك الانسان الذي جُبلت طينته بماء الكرم قبل ماء الري. فالجزيرة لم تكن يوماً مجرد مشروع زراعي، بل هي مشروع إنساني اجتماعي، عنوانه العريض الديوان.
فإنسان الجزيرة يمتلك قدرة عجيبة على تحويل المواقف الصعبة إلى نكتة تلطف الأجواء. ومن الطرائف المشهورة عن قطاع طرق الكرم، أن أحدهم استوقف حافلة ركاب تعطلت بالقرب من قريته، وعندما اعتذر الركاب بحجة الاستعجال والشبع، رد عليهم شيخ القرية بوقار ممزوج بابتسامة: يا أولادي الشبع ده في الخرطوم هناك.. هنا في واجب لازم ينقضي، والعربية دي إلا اللديتر يرضى، وإحنا واللديتر أصحاب، في إشارة ذكية إلى أن إصلاح العطل لن يبدأ إلا بعد تناول الزاد.
​وفي موقف آخر يعكس طيبة القلب بذكاء ساخر، استوقف أحدهم سيارة بوكس مسرعة وسأل سائقها بلهفة: يا زول إنت ماشي وين بالسرعة دي؟، أجابه السائق ماشي مدني، فرد عليه ببرود وثقة والله مدني ما طايرة.. لكن الصينية دي لو طارت ما بتنلحق، أنزل ضوق الزاد وبعدها مدني بتجيك لحدي عندك.
القفشات دي ما ونسة ساكت، دي أدب محبة بتشيل من الضيف وحشة الطريق. والسمح في أهل الجزيرة إنو الابتسامة بتسبق الصحن. الجود بالموجود عندهم هو قمة الرضا النفسي؛ الملاح البسيط ببركة الترحيب وحبابك ألف بيبقى أحلى من أي وليمة.
​الكرم في الجزيرة نفير جماعي؛ الضيف لو نزل،البيوت بتتفتح نفاجات، وكل زول بيجيب اكله. دي المروءة المشت في عروقهم وبقت جزء من هويتهم زيها وزي سنابل القمح ولوز القطن.
​ستظل الجزيرة، بإرثها الممتد وقلوب أهلها الواسعة، هي زاد المسافر ومنارة الجود. إن ما يسطره هؤلاء البسطاء بابتساماتهم وقناعتهم هو الدرس الحقيقي في كيفية الحفاظ على القيم السودانية الأصيلة وسط متغيرات الحاضرة الآنية. هي دعوة لنحتفي بهذا الإرث، ونحافظ على الديوان مفتوحاً بعبق المحبة وحبابكم عشرة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات