الأحد, مارس 29, 2026
الرئيسيةمقالاتقوات الدعم السريع …رغم الانتهاكات الموثقة والمدانة دوليا… لم تصنَّف كمنظمة ارهابية…...

قوات الدعم السريع …رغم الانتهاكات الموثقة والمدانة دوليا… لم تصنَّف كمنظمة ارهابية… لماذا؟

الكاتب والمحلل السياسي / زكريا علي عبدالرسول
هناك اسئلة كثيرة تدور في ذهن الشعب السوداني بعد الاستنكار والادانة الدولية للانتهاكات والمجازر التي ارتكبتها قوات الدعم السريع والتي تم توثيقها من قبل بعض المنظمات الدولية، وقد وصفت في حينها بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، خاصة تلك التي وقعت في الجنينه والجزيرة والفاشر ومدن سودانية اخري .
السؤال الذي يطرح بقوة …لماذا لم يصنف الدعم السريع رغم هذه الفظائع كمنظمة ارهابيه ؟
■في السودان، لم تعد المأساة بحاجة إلى إثبات، بل إلى إنصاف.الوقائع التي تراكمت خلال هذه الحرب، من انتهاكات جسيمة واعتداءات طالت المدنيين في أرواحهم وممتلكاتهم وكرامتهم، تجاوزت مرحلة الجدل، ودخلت نطاق الحقيقة الصلبة التي وثقتها الشهادات والتقارير على حد سواء. ومع ذلك، ظل توصيف هذه الجرائم دون السقف الذي ينتظره الشارع، وبقي السؤال حاضرًا في الوجدان العام: لماذا لم يُصنَّف الدعم السريع كتنظيم إرهابي حتى الآن؟
الإجابة لا تكمن في نقص الأدلة، بل في طبيعة النظام الدولي ذاته، حيث لا تُصاغ القرارات الكبرى على أساس أخلاقي خالص، بل عبر مزيج معقد من القانون والسياسة والمصالح. فجهات مثل مجلس الأمن الدولي ووزارة الخارجية الأمريكية لا تتعامل مع الوقائع بمعزل عن السياق، بل تضعها داخل حسابات أوسع تتعلق بالتوازنات الإقليمية وإدارة الصراعات، لا حسمها بالضرورة.
أحد أبرز تعقيدات المشهد أن الدعم السريع لم ينشأ كجسم منفصل عن الدولة، بل خرج من رحمها، وتم تقنين وجوده ضمن المنظومة الأمنية في مرحلة سابقة. هذا الإرث القانوني يخلق إشكالية في توصيفه دوليًا، إذ يُنظر إليه في بعض الدوائر كطرف في نزاع داخلي، لا كتنظيم عابر للحدود ينطبق عليه التعريف التقليدي للإرهاب.
كما أن توصيف أي جهة كـ“تنظيم إرهابي” لا يُعد خطوة رمزية، بل قرارًا يترتب عليه ما هو أبعد من الإدانة، من قطع قنوات التواصل إلى فرض التزامات قانونية وسياسية معقدة. لذلك تميل القوى الدولية إلى استخدام توصيفات أقل حدة، تُبقي الباب مواربًا أمام أي مسار تفاوضي محتمل، حتى وإن جاء ذلك على حساب الوضوح الأخلاقي.
في هذا السياق، تتوالى تقارير الأمم المتحدة، وتوثق هيومن رايتس ووتش حجم الانتهاكات، مستخدمة عبارات ثقيلة مثل “جرائم حرب” و“انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان”. غير أن هذه التوصيفات، على أهميتها القانونية، لا تلامس الشعور العام الذي يرى في ما حدث ما يستدعي توصيفًا أكثر صراحة وحسمًا.
وهنا يبرز سؤال الدولة ودورها الغائب أو المؤجل.
فالطريق نحو أي تصنيف دولي أكثر حدة لا يُفتح بالاستنكار وحده، بل بخطوات سيادية واضحة تُراكم الضغط القانوني والسياسي. تبدأ هذه الخطوات بتبني موقف رسمي حاسم يُعرّف ما جرى دون مواربة، ثم الانتقال إلى توثيق ممنهج للانتهاكات وفق معايير قانونية معترف بها دوليًا، مع تفعيل المسارات القضائية عبر التعاون مع آليات الأمم المتحدة والهيئات العدلية المختصة. كما يتطلب الأمر تحركًا دبلوماسيًا نشطًا يضع الملف على طاولة مجلس الأمن الدولي، ويخاطب العواصم المؤثرة بلغة المصالح لا العواطف، مع بناء تحالفات إقليمية ودولية داعمة. فالتصنيف في نهاية المطاف لا يُنتزع بالصوت العالي، بل بتراكم الملفات، واتساق الموقف، واستمرار الضغط حتى تتحول الحقيقة إلى التزام دولي لا يمكن تجاهله.
المفارقة أن العالم لا ينكر المأساة، لكنه يتردد في تسميتها باسمها الكامل.
تُدان الأفعال، وتُسجل الوقائع، لكن القرار النهائي يظل رهينًا بحسابات تتجاوز الضحايا، لتلامس خرائط النفوذ وموازين القوة.
وهكذا، يقف السودان أمام معادلة قاسية للغاية: واقع دامٍ واضح المعالم، يقابله توصيف دولي حذر ومتحفظ. وبين الاثنين، تتأخر العدالة، ويترسخ الإحساس بأن الدم السوداني لا يُقاس دائمًا بمعيار واحد.
في المحصلة، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو غياب التصنيف، بل تأخر الإرادة في اتخاذه. فحين تتقدم السياسة على العدالة، يصبح الوضوح ترفًا، وتتحول الحقيقة إلى مسألة توقيت، لا مسألة مبدأ.وماهو واضح، ان المنظوم الدولية تدار بلغة المصالح لا بلغة المظالم حتي في اعلي مستوياتها.

     ،،،سروري مع خالص تحياتي ،،،

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات