الإثنين, مارس 23, 2026
الرئيسيةمقالاتالسودان بين شتات الهوية ومعركة البقاء بقلم: أبوعبيده أحمد سعيد محمد

السودان بين شتات الهوية ومعركة البقاء بقلم: أبوعبيده أحمد سعيد محمد


ليست أزمة السودان اليوم مجرد صراع على السلطة، بل هي في جوهرها أزمة أعمق تتعلق بالهوية وبفكرة الدولة نفسها. فالسودان، منذ نشأته الحديثة، لم ينجح في بناء هوية وطنية جامعة، بل ظل يتأرجح بين انتماءات متعددة؛ طائفية، وأيديولوجية، وقبلية، مما أضعف تماسكه الداخلي.
فالأحزاب السياسية الأولى قامت على أساس طائفي، حيث تقدّم الولاء الديني على الولاء الوطني، بينما جاءت الأحزاب العقائدية لاحقًا محمّلة بأفكار مستوردة لم تنسجم مع واقع السودان المتنوع. وبين هذا وذاك، ظلت القبيلة تمثل الملاذ الأقوى لكثير من السودانيين، في ظل غياب دولة قادرة على احتواء الجميع تحت مظلة واحدة.
ولا يقتصر هذا التعدد على البعد السياسي والاجتماعي فقط، بل يمتد إلى عمق البنية السكانية والثقافية. فقبل انفصال جنوب السودان، كان عدد القبائل يتجاوز 570 قبيلة، تنتمي إلى نحو 57 مجموعة إثنية رئيسية، بينما لا يزال السودان بعد الانفصال يضم أكثر من 400 قبيلة، إلى جانب أكثر من 70 لهجة محلية، وهو ما يعكس تنوعًا واسعًا يتطلب إدارة واعية لا تجاهلًا.
كما توجد قبائل سودانية مشتركة مع دول الجوار؛ فهناك ست قبائل تتقاسمها مع تشاد وأفريقيا الوسطى، وأربع قبائل مع إريتريا وإثيوبيا، وأربع قبائل مع مصر، وأربع قبائل امتدت إلى جنوب السودان قبل الانفصال. وبعد انفصال الجنوب، فقد السودان حدوده مع ثلاث دول هي أوغندا وكينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو ما يعكس حجم التحولات الجيوسياسية التي أثرت على طبيعة الدولة ووحدة أراضيها.
لكن جذور المشكلة لا تقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى طريقة تكوين الدولة نفسها. فحدود السودان الحالية لم تنشأ بشكل طبيعي، بل رسمها الاستعمار كحدود إدارية جمعت داخلها شعوبًا وثقافات متعددة دون مشروع وطني جامع. وزادت السياسات الاستعمارية من هذا الانقسام، خاصة ما عُرف بقانون المناطق المقفولة (1922–1946)، الذي عزل مناطق واسعة في الجنوب وأجزاء من دارفور وكردفان وجبال النوبة عن بقية البلاد.
هذا القانون لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان سياسة متكاملة عززت الفصل بين مكونات المجتمع السوداني، حيث فُرضت قيود على الحركة والتعليم والتواصل الاجتماعي، وحتى على بعض المظاهر الثقافية، مما عمّق الفجوة بين أبناء الوطن الواحد.
ويُضاف إلى ذلك عامل جغرافي بالغ الأهمية، يتمثل في اتساع السودان تاريخيًا وتجاوره مع عدد كبير من الدول، فضلًا عن التداخل القبلي عبر الحدود. هذا التداخل جعل الانتماءات في كثير من الحالات تتجاوز حدود الدولة السياسية، خاصة في ظل ضعف الدولة المركزية في الخرطوم، مما أدى إلى تراجع الولاء الوطني لصالح الولاءات القبلية والإقليمية العابرة للحدود، وزاد من هشاشة الكيان الوطني.
وفي ظل هذا الإرث الثقيل، يواجه السودان اليوم لحظة حاسمة، يمكن وصفها بأنها أزمة وجودية تهدد بقاء الدولة نفسها. وهنا، لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل يصبح السؤال الأهم: هل سيبقى السودان أصلًا كدولة موحدة؟
في مثل هذه اللحظات، تبرز أهمية المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية، التي تمثل البوتقة الجامعة لكل أبناء الوطن، بعيدًا عن الانتماءات الضيقة. فدورها لا يقتصر على حماية الحدود، بل يمتد ليشمل الحفاظ على وحدة الدولة ومنع انهيارها.
إن القوات المسلحة السودانية مطالبة اليوم بأن تكون القطب الجامع لكل السودانيين، وأن تقود مشروعًا وطنيًا يعيد بناء اللحمة الوطنية، ويضع الحفاظ على وجود الدولة ووحدتها في مقدمة الأولويات.
وعلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، أن يجعل من هدفه الأول سودانًا موحدًا يسع الجميع، تتراجع فيه الحسابات الضيقة، وتذوب فيه التكتيكات المرحلية أمام ضرورات البقاء الوطني، حيث لا تعلو أي قيمة على قيمة الحفاظ على الدولة ووحدتها، برؤية وطنية براغماتية خالصة، تجعل مصلحة السودان العليا هي المعيار الوحيد، بعيدًا عن كل الانتماءات الحزبية والطائفية والأيديولوجية.
ومن هنا، فإن الطريق إلى الخلاص يبدأ بالاتفاق على الثوابت: وحدة السودان، والسعي لتحقيق سلام داخلي شامل من خلال الدعوة إلى مؤتمر وطني جامع لكل من حمل السلاح، والعمل على بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة والعدالة، ويعترف بالتنوع بدل أن يحوله إلى سبب للصراع. والحرب تظل خيارًا فقط لمن يرفض الانصياع للقانون ويريد زعزعة وجود الدولة ووحدتها.
إن سيادة الوطن ليست شعارًا، بل هي الأساس الذي يقوم عليه كل انتماء. وحين يكون الوطن مهددًا، لا مجال للانقسامات، بل يصبح الدفاع عنه مسؤولية جماعية. فالوطن إذا ضاع، لا يمكن تعويضه، ولن تكون بلاد الشتات بديلًا حقيقيًا، بل مجرد أماكن نعيش فيها ونحن نحمل حنينًا دائمًا لوطن فقدناه.
وبعد تثبيت هذه الأسس، يمكن الانتقال إلى السؤال الطبيعي: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ والإجابة يجب أن تكون عبر صناديق الانتخابات، في إطار دولة مستقرة وموحدة.
في النهاية، يمكن القول إن معركة السودان اليوم ليست فقط معركة سياسية، بل هي معركة بقاء. وإذا لم يدرك السودانيون هذه الحقيقة، فقد يجدون أنفسهم يومًا ما يتغنون بوطنٍ كان، بدل أن يعيشوا في وطنٍ باقٍ.

saeed.abuobida5@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات