النزوح إلى دول الجوار إلى المناطق الآمنة في زمن الحروب ليس بدعة ابتدعها السودانيون اليوم بسبب الحرب القذرة التي قضت على الأخضر و اليابس في بلادهم . بل هي سنة تدافعية منذ بدأ الخليقة . هي ليست ممارسة إنسان فحسب ، فكل المخلوقات عندما يضيق بها المكان في العيش و الأمن تغير إتجاهاتها للبحث عن مكان تؤمن فيه حياتها و تضمن عيشها …
و الإنسان خلقه الله تعالى من نفس واحدة ، و ميزه بالعقل ، و أيده بأسباب الرحمة و المودة ، و فضله على كثير ممن خلق ، و جعل منه أمم و شعوب و قبائل ليتعارفوا و يتآلفوا و يأمن بعضهم بعض ، و لم يفرق بين هذا أو ذاك إلا بالتقوى . أما اختلاف الألوان و الألسن ليس تمييز و لا أفضلية ( و من آياته خلق السموات و الأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم لآيات للعالِمين ) صدق الله العظيم … فاللون ليس (سُبَّة) كما العجمة ليست ( سُبَّة ) ، إنها آيات و دلائل و عبر للذين يبصرون و يتدبرون في خلق الله … الناس لاتعلو بالأنساب و لا الألوان و لا الألسن … إنها التقوى … و التقوى في القلوب … و إنها لا تعمى الأبصار لكن تعمى القلوب التي في الصدور …
الإنسان يهاجر من أجل العيش و الأمن و خوفاً على الدين و العرض …
و لو كان لله أن يؤمن العيش و الرزق و الأمن لأحد لخصَّ به أفضل خلقه محمد عليه السلام … فضيقه في العيش و الأمن ، و هجرة صحبه إلى الحبشة ، و هجرته للمدينة كانت سنة للناس ، و مدرسة من مدارس الحياة أنه لا عيش و لا أمان دائم فيها … و أنه يأتي عام يغاث فيه الناس ثم يعصرون …
ليس أهل السودان وحدهم مبتلون ، و لعل ابتلاؤهم فيه تمحيص للناس ، ليميز الخبيث من الطيب ، و يميز العدو من الصديق … ابتلاء أهل السودان هو ابتلاء للجار ذي القربى و الجار الجنب و الجار بالجنب ليعرفوا أيهم يكرم جاره ، و أيهم أحق بالجيرة ، و أيهم أحق بالإستجارة … و الإستجارة هي الإحتماء طلباً للأمن ليس إلا …
و أهل السودان حالهم كمن سبقهم من الأمم هاجروا ليس من فاقة و لا جوع و لا عوز ، بل تركوا أرضهم خضِرة و أشجارهم مثمرة ، و أنعامهم مُلبِنة و مُكثِرة … ركبوا دوابهم و لم يطلبوا فضل ظهر … حُمِّلوا بالمال من ذهب و فضة و دينار و دولار حتى لا تمتد أيديهم من فقر … فقط طلباً للأمن ، و حمايةً للعرض ، و فراراً بالدين ، عسى الله يهيء لهم اسباب العودة في أقرب وقت و ما ذلك على الله بعزيز و لعلهم يرجعون …
خرجوا من ديارهم إلى ( جوارهم ) متمسكين بحق الجار على الجار الذي كفله لهم دينهم ( اذا استجارك فأجره ) … فمنهم من خرج إلى بلد النجاشي الذي كانت لا يظلم فيها أحد … و منهم من غادر إلى تشاد و ارتريا و جنوب السودان حيث بعض من الرحم و العشيرة و لم يكونوا على سواء ، منهم من استقبلهم و منهم من استدبرهم و قد كانوا بالأمس القريب بينهم ! …
منهم من طلب أرض النبوة و الأخوة لعلهم يجدوا أفئدة من الناس ترق و تحنو عليهم فوقفت قيود الهجرة و الإقامة سداً منيعاً أمام مطلبهم …
و آخرون تيمموا أرض الكنانة و قيل لهم ( ادخلوها بسلامٍ آمنين ) و كان هذا الرأي الرسمي في مصر انتم في بلدكم اسكنوا كما نسكن ، و كلوا مما نطعم ، و تطببوا و تعلموا كما نتطبب و نتعلم … كلمة قالها الرأي المصري الرسمي و لم يكن الرأي الشعبي بأقل من ذلك الا من شواذ هنا و هناك ! … و من لا يشكر الناس لا يشكر الله … هي كلمة شكر أهديها للحكومة المصرية و شعبها …
إنه ضيق (الأحوال) و ليس كشف (الحال) الذي أخرجنا من ديارنا … جئنا وسط ترحاب من إخوتنا في مصر و لسان حالهم يقول كما الانصار للمهاجرين كل شيء بيننا ( قسمة ) و لسان حالنا يقول كما قال الصحابي عبد الرحمن بن عوف ( دُلُّونا) على السوق ! … نعم هكذا قلنا ( دُلُّونا ) على السوق … السوق بقوانينه و لوائحه و حقه و مستحقاته … هكذا يجب أن يكون …
ليس كل الناس سواء … منهم من يطفف الميزان ، و ينقص الكيل ، و يغش البيع … وهذا في كل أمة و لكل قاعدة شواذ ! …
و لأن مصر ظلت تستقبل كثيراً من اللاجئين الفلسطينين و السوريين و اليمنيين و الصوماليين و الارتريين و الاثيوبيين و التشاديين و الجنوب سودانيين و السودانيين لا بد أن تضيق فيها فرص العمل الوظيفي و الحرفي و لم يكن أمام المهاجرين إلا فرصة السوق ليوفروا لقمة عيشهم و نفقات سكنهم …
وجود السودانيين في مصر ليس خصماً على المواطن المصري في عيشه و سكنه و متطلبات حياته كما يظن البعض بقدر ما هو زيادة في الإنتاج و دعم للإقتصاد طالما دخلوا الأسواق لتبادل المنافع بيعاً و شراء …
نحن نقر بأن الشعب السوداني ليس شعب ملائكي بل هم بشر يخطئون و يرتكبون الكبائر و الصغائر … لكن لا نقبل لأحد أن يجردنا من رجولتنا و يقدح في انسانيتنا و ويسخر من موروثاتنا و يتقزز من طعامنا و حتى طريقة تناولنا لطعامنا !! و يطعن في أخلاقنا و نسائنا و يصفنا بأننا مجتمع عهر و رذيلة !! …
هذا ما يروج له بعض إخوتنا في مصر ببث الفيديوهات سواء كان في قنواتهم (الخاصة) أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي …
بالتأكيد نحن لنا عادات و تقاليد و ممارسات يجب أن لا نفرضها على الناس ما دامت لا تتوافق و أمزحتهم لكن بالمقابل ليس من الذوق أن يقابل رفضها بالسخرية و الاستهتار و الإهانة و التجريد من الإنسانية و أنزالنا منزلة ( الحيوانية ) …
أنا هنا أتحدث عن فيديو واحد فقط يتم تداوله لأحد الإخوة المصريين يصفنا بكل هذه الصفات المهينة و المسيئة محاولة منه لتصويرنا كأرذل الأرذلين !! …
نحن لا تنقصنا لغة الخطاب و الرد على كل أفاك و كذاب بالصاع و الصاعين و الثلاثة و بنفس لغته و مصطلحاته لكن يُلزمنا أدب الكلام بتجنب فحش اللسان ، و ليس المسلم بالفاحش و لا البذيء و لا الطعان و لا اللعان … لكن مادام هناك قانون يحاسب يجب أن نحتكم إليه…
و بما اني مواطن سوداني يمسني الضر مما قاله صاحب الفيديو هذا يجوز لي دفع الأذى و الضرر عن نفسي و وطني و أهلي الذين أساء إليهم هذا الرجل …
وبما اني لا أملك سلطة المقاضاة و المحاماة سألجأ إلى الجهة التي تمثلني و تمثل بلادي و المنوط بها الدفاع و الرد و مقاضاة كل من تسول له نفسه بالإساءة إلى وطني و شعبه و إياك أعني يا سفارة جمهورية السودان بالقاهرة و أنا سأملككم الفيديو المعني و ربما شاهدتموه من قبلي …
إنها ليست المرة الأولى أن تقتص سفارة لبلدها و شعبها ممن سولت لهم أنفسهم بالاساءة و الإهانة له ، و قد فعلها من قبل الدكتور حسن عابدين رحمه الله و السفير الفريق فاروق محمد علي بدر و السفير بشرى الشيخ سفراء السودان بالعراق وقتئذٍ بردودهم على من تغولوا وتطاولوا على السودان و شعب السودان عبر الصحف الرسمية او المكاتبات الدبلوماسية ، فتغيرت بسببهم (أفكار) ، و أزيلت ( لافتات) من واجهات تجارية كانت لا تتناسب تسميتها مع (عاصمة) السودان و ما زال صوت مندوب السودان في الأمم المتحدة الحارث إدريس يقرع الآذان بعباراته القوية التي هزت غرف و جُدر المنظمة الاممية التي لم تسمع مثلها منذ تأسيسها ….
بهذه المرافعة انا أطالب السفارة السودانية في القاهرة بالقصاص القانوني من هذا الرجل و هو ( نشاذ ) بين المصريين و هم (بريؤون) مما قال لرد اعتبار وكرامة الشعب السوداني . كما أدعوا الإخوة السودانيين للإبتعاد عن الشبهات و المتشابهات التي تضعهم في دائرة النقد السالب و أيضاً أدعوا السفارة عبر التنظيمات المجتمعية التي تم تكوينها لتقديم الدعم النفسي و المادي و
القاهرة ،،،،،
2024/7/19م
أعيد نشره بناء على طلب بعض القراء و المتابعين..
