الأربعاء, مارس 18, 2026
الرئيسيةمقالاتالدور المحتمل وحدود صلاحيات لجنة التمكين: بين استعادة مشروعية الثورة وتعقيدات الملاحقة...

الدور المحتمل وحدود صلاحيات لجنة التمكين: بين استعادة مشروعية الثورة وتعقيدات الملاحقة الدولية

بقلم/ امير الزين نورالدائم

في خضم الحرب المدمرة التي أعادت تشكيل موازين القوة في السودان، جاء إعلان لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة عن استئناف أعمالها ليُحدث ضجة سياسية وإعلامية واسعة. لم يكن ذلك بسبب مضمون البيان وحده، بل لأن عودة اللجنة أعادت فتح سؤال أكبر ظل مؤجلاً منذ انقلاب 25 أكتوبر: من يملك الشرعية لتمثيل الثورة والدولة في السودان اليوم؟

من هذه الزاوية، لا يمكن قراءة الخطوة بوصفها إجراءً إدارياً أو قانونياً بحتاً، بل باعتبارها فعلًا سياسياً يعيد طرح مشروع تفكيك نظام الإنقاذ كمدخل لإعادة بناء السلطة، في مواجهة واقع تهيمن عليه الحرب وتوازنات السلاح.

اللجنة كرمز لاستعادة الشرعية
لم تكن لجنة التفكيك مجرد آلية قانونية، بل مثلت أحد أهم تجليات سلطة ثورة ديسمبر، حيث نقلت شعار “تفكيك نظام الإنقاذ” من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل التنفيذي. لذلك، فإن تجميدها بعد انقلاب 25 أكتوبر لم يكن إجراءً فنياً، بل ضربة مباشرة لمشروعية الثورة، بينما يمثل إعلان عودتها اليوم محاولة واضحة لاستعادة تلك المشروعية وإعادة تعريف مركز الشرعية السياسية.

عودة اللجنة في سياق صراع الشرعيات
يأتي هذا الإعلان في لحظة تتنازع فيها الشرعية بين قوى الحرب، والتسويات الدولية، ومحاولات إعادة بناء الشرعية الثورية. وهنا تطرح اللجنة نفسها كأداة لإعادة تثبيت فكرة أن:
الشرعية لا تُستمد من السيطرة العسكرية، بل من مهام الثورة غير المنجزة، وعلى رأسها تفكيك بنية النظام القديم.

لكن هذا الطرح يصطدم مباشرة بواقع معقد يحد من إمكانيات الفعل.

حدود الصلاحيات في الداخل
رغم الزخم السياسي، فإن استئناف عمل اللجنة يواجه قيوداً حقيقية:
• تفكك مؤسسات الدولة التي كانت تشكل أدوات تنفيذ قراراتها
• غياب سلطة مركزية معترف بها قادرة على إنفاذ قراراتها
• انتقال جزء كبير من الموارد الاقتصادية إلى شبكات حرب واقتصاد موازٍ

بالتالي، فإن اللجنة لا تستطيع، في الظروف الراهنة، العمل كجهاز تنفيذي فعلي، بل تتحرك أقرب إلى إطار سياسي/رمزي أو منصة لإعادة إنتاج مشروع التفكيك.

البعد الدولي: هل تفتح البيئة الجديدة نافذة؟
في ظل أي تشدد دولي – خاصة أمريكي – تجاه الإسلام السياسي أو شبكاته، يبرز سؤال مهم: هل يمكن توظيف ذلك في ملاحقة أموال وشبكات النظام البائد؟

نظرياً، قد تفتح هذه البيئة فرصاً عبر:
• تشديد الرقابة على التحويلات المالية المرتبطة بالدولار
• توسيع نطاق العقوبات أو التجميد على كيانات وأفراد
• رفع حساسية النظام المالي العالمي تجاه شبكات ذات صلة

لكن هذه الفرص تظل مشروطة بقدرة على تقديم ملفات قانونية قوية تربط الأموال بجرائم معترف بها دولياً، مثل الفساد أو غسل الأموال أو تمويل أنشطة محظورة.

هل يمكن لاقتصاد الحرب أن يتحول إلى ملف قانوني دولي؟
يطرح واقع الحرب في السودان، بما فيه استخدام موارد مثل الذهب في تمويل العمليات العسكرية، إمكانية تحويل “اقتصاد الحرب” إلى مدخل للملاحقة الدولية. نظرياً، يمكن أن تشكل هذه الممارسات أساساً لملفات ترتبط بجرائم معترف بها دولياً، مثل نهب الموارد أو غسل الأموال أو تمويل أنشطة محظورة. لكن الفارق الحاسم هنا ليس في توصيف الانتهاكات، بل في القدرة على إثبات العلاقة بين المورد والعملية العسكرية والشبكات المستفيدة منها. فكلما أمكن تتبع مسار الأموال من مواقع السيطرة والاستخراج، مروراً بالشركات والوسطاء، وصولاً إلى الاستخدام العسكري، تحولت هذه الوقائع من إدانة سياسية إلى أدلة قابلة للتوظيف في أنظمة العقوبات أو المسارات القانونية الدولية. وبدون هذا الربط الدقيق، يظل “اقتصاد الحرب” توصيفاً صحيحاً سياسياً، لكنه ضعيف الأثر قانونياً.

الدور المحتمل للجنة
رغم محدودية قدرتها التنفيذية، يمكن أن تلعب اللجنة دوراً محورياً من زاوية مختلفة:
• بناء قواعد بيانات دقيقة حول الشركات الواجهة والشبكات المالية
• توثيق مسارات الأموال المنهوبة وربطها بقيادات ومؤسسات محددة
• إعداد ملفات قابلة للاستخدام دولياً وفق معايير الإثبات القانونية
• التأثير السياسي والإعلامي بما يدفع جهات دولية للتشدد مع هذه الشبكات

بهذا المعنى، تتحول اللجنة من أداة تنفيذية داخل الدولة إلى منتج معرفة استراتيجية يمكن أن يُستخدم في مسارات قانونية دولية لاحقاً.

قيود الملاحقة الدولية
مع ذلك، تظل هناك عقبات جوهرية:
• غياب صفة رسمية معترف بها دولياً يحد من القدرة على طلب التعاون القضائي
• صعوبة إثبات صلات مباشرة بتمويل الإرهاب مقارنة بملفات الفساد
• تعقيد الشبكات المالية وانتشارها في ولايات قضائية متعددة
• خطر تسييس الملف بما يضعف مصداقيته أمام بعض الأطراف الدولية

خاتمة: سؤال موجّه لقوى الثورة – من الشعار إلى البرنامج
يبقى السؤال الحاسم اليوم موجهاً بالدرجة الأولى إلى قوى الثورة نفسها:
هل ستتعامل قوى الثورة مع الدولة القادمة كنتاج لتوازنات الحرب، أم كمهمة لاستكمال مشروع ديسمبر وتفكيك بنية النظام القديم؟

لكن الإجابة لا تُقاس بالخطاب، بل بالفعل. وفي هذا الإطار، تبرز ثلاث مهام لا يمكن تجاوزها:
أولاً، إعادة تعريف التفكيك كمشروع سياسي لا كلجنة فقط، بحيث يصبح برنامجاً مستمراً لا يتوقف بتجميد مؤسسة.

ثانياً، بناء أدوات قانونية مرنة وموازية، عبر شبكات توثيق وخبرات قانونية قادرة على إعداد ملفات مهنية للملاحقة الداخلية والدولية.

ثالثاً، ربط تفكيك التمكين بوقف الحرب، باعتبار أن استمرار البنية القديمة هو أحد محركات الصراع، لا مجرد نتيجة له.

بهذا المعنى، لا يصبح السؤال مجرد مفاضلة نظرية، بل اختباراً عملياً:
إما أن تعيد قوى الثورة إنتاج نفسها داخل شروط فرضتها الحرب،
أو أن تعيد صياغة هذه الشروط نفسها انطلاقاً من مهام الثورة.

وهنا يتحدد ليس فقط مصير لجنة التفكيك، بل مستقبل المشروع الثوري كله في السودان.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات