إنّ في الوقت الذي تلملم فيه الخرطوم جراحها، وتتطلع فيه الشوارع الصابرة إلى وقع أقدام العائدين، يبرز التاجر السوداني كفدائيٍّ يحمل روحه ورأس ماله المتبقي على كفه، ليسهم في إعادة نبض الحياة إلى الأسواق التي هجرها الصخب. لكن المؤسف حقاً، والمؤلم حدّ الفجيعة، أن يُستقبل هؤلاء العائدون بـ “سياط الجبايات” قبل أن يجف عرق سعيهم، أو تُفتح مغاليق حوانيتهم.
إنني أضع أمام السيد وزير المالية، والسيد أمين ديوان الضرائب، والسيد والي الخرطوم، حقائق لا تجملها الأرقام الرسمية، بل تعمدها دماء المعاناة:
- هؤلاء التجار ليسوا “أثرياء حرب”، بل هم ضحاياها الأوائل الذين فقدوا مدخرات العمر ومخازن البضائع في أتون النزاع.
- بعضهم باع داره التي تأوي أطفاله ليشتري بضاعة يحيي بها سوقاً مهجوراً.
- بعضهم استدان ورهن ما بقي له من حُطام الدنيا إيماناً منه بقدسية العودة والواجب الوطني.
إن ملاحقة هؤلاء التجار بالإعلانات الضريبية والتهديدات الإدارية قبل أن يبدأوا النشاط الفعلي، هو ضربٌ من “الخنق الاقتصادي” المتعمد. كيف يطالَب بالسداد من لم يبع بعد؟ وكيف يُهدد بالإغلاق من فتح أبوابه ليعيد الأمل للمواطن؟
لقد بلغنا، وبكل أسف، أن الكثير من الكفاءات التجارية قررت الإحجام عن العودة، وآثرت البقاء في منافيها الاضطرارية حين علمت أن “المقصلة المالية” تنتظرها عند مشارف الخرطوم.
إنني أناشدكم ، وبما تمليه عليكم المسؤولية الوطنية والأخلاقية: - إعلان فترة سماح عاجلة: تجميد كافة المطالبات الضريبية والرسوم المحلية لفترة كافية تمكن التاجر من الوقوف على قدميه.
- كف يد الملاحقات: وقف حملات التهديد والإنذارات التي تسمم أجواء العودة وتطرد الاستثمار الوطني.
- تبني “فقه الضرورة”: أن يُنظر لهؤلاء كشركاء في إعادة الإعمار، لا كأوعية جباية لسد العجز.
إن يقيننا في استجابتكم ينبع من إدراككم أن عودة التاجر هي عودة للحياة، وإذا فُقد التاجر فُقدت السلعة، وإذا انعدمت السلعة خوت الديار، ولن يجد الديوان حينها ما يحصله إلا الصمت والخراب.
إن الجباية في زمن التعافي يجب أن تستحيل إلى رعاية ، والضريبة تتحول إلى حافز ، لا أن تظل عبئاً يجهض المحاولة قبل ولادتها ..
