الإثنين, مارس 16, 2026
الرئيسيةمقالاتمن يدير وجع الوطن؟. بقلم/ د....

من يدير وجع الوطن؟. بقلم/ د. إسماعيل الحكيم


إنّ في اللحظات الفاصلة من تاريخ الأمم، لا تُقاس المسؤولية بحجم المنصب، ولكن بقدر الحضور في ميدان الواجب. فالدول التي تعبر أزماتها لا تفعل ذلك بنافل الوقت ولا بسكون الإدارة، وإنما بيقظة قادتها، ودوام انشغالهم بشؤون الناس، واستشعارهم أن كل ساعة تضيع من عمر الأوطان قد تكلفها أعوامًا من المعاناة.
غير أن المشهد السوداني اليوم يثير أسئلة موجعة لا يمكن القفز فوقها. فلأكثر من أسبوعين يغيب رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس عن مسرح المسؤولية التنفيذية، متنقلاً بين أداء العمرة وقضاء عطلة العيد مع أسرته في جنيف، في وقتٍ تعيش فيه البلاد واحدة من أدق مراحلها السياسية والأمنية والإدارية.
وليس في الأمر اعتراض على عبادةٍ يتقرب بها العبد إلى ربه، ولا على صلة رحمٍ يبر بها أهله ، فذلك من مكارم الأعمال. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في التوقيت، وفي حجم الفراغ الذي يخلّفه غياب القيادة التنفيذية في دولة تتلاطمها الأزمات، وتتشابك فيها التحديات، وتتوالد فيها الوقائع كل يوم كما تتوالد الأنفاس.
فمع إعفاء وزير مجلس الوزراء، يصبح الجهاز التنفيذي في وضعٍ أقرب إلى التعليق، وهل يمكن الدولة أن تُدار بغياب رأسها التنفيذي ؟ وفي لحظةٍ تحتاج فيها البلاد إلى أعلى درجات الحضور واليقظة واتخاذ القرار.
كيف يمكن لوطنٍ يئن تحت وطأة الحرب، ويواجه تحديات الاقتصاد والخدمات وإعادة بناء مؤسسات الدولة، أن يتعافى إذا كان رأس جهازه التنفيذي بعيدًا عن مكتبه، وعن مواطنيه، وعن ملفات تتراكم يوماً بعد يوم؟
إن المشهد يزداد إيلامًا حين نقارن بين جبهتين متناقضتين:
جبهةٌ يرابط فيها الجنود والأبطال في الثغور، لا يشغلهم همٌّ سوى سحق المليشيا المتمردة وتطهير الأرض من دنسها، يسهرون على حدود الوطن بدمائهم وأعصابهم وأرواحهم.
وجبهةٌ أخرى يفترض أنها جبهة الإدارة والقرار والتدبير… فإذا بها تغيب، أو تتباطأ، أو تنشغل بالعيد والأبناء بعيدًا عن قلب المعركة الوطنية الكبرى.
والأمانة التي حملها المسؤول ماًكانت يوماً لقبًا بروتوكوليًا، إنما عهدٌ ثقيل أمام الله والتاريخ والناس. والمسؤولية العامة لا تقبل التراخي، لأن الزمن في أوقات الأزمات ليس ملكًا للأفراد، بل حقٌ للأمة كلها.
فكل يوم يمر في ظل الفراغ التنفيذي هو يوم مؤجل من عمر الإصلاح، وكل ساعة تضيع هي فرصة مهدرة لمعالجة أزمة، أو اتخاذ قرار، أو تخفيف معاناة مواطن ينتظر من دولته أن تكون قريبة منه لا بعيدة عنه.
إن السودان اليوم ليس في حاجة إلى إدارة موسمية تظهر حين تشاء وتغيب حين تشاء، بل إلى قيادةٍ تعرف أن لحظات التحول الكبرى في تاريخ الشعوب لا تحتمل رفاهية الغياب. وتوجب البقاء والثبات لا الهروب ..
ويا للعجب…
بلادٌ يكتب جنودها تاريخ التضحية في الميدان، بينما يكتب بعض مسؤوليها سطور الغياب في دفاتر الإدارة.
يا وجع السودان…
كم تحتاج هذه الأرض إلى رجالٍ يرون في المنصب تكليفًا لا تشريفًا، وواجبًا لا امتيازًا، وحضورًا دائمًا لا غيابًا طويلًا.
فالأوطان الجريحة لا تشفى إلا بقلوبٍ يقظة، وعقولٍ حاضرة، وقياداتٍ تدرك أن المسؤولية في زمن المحن لا تُؤدى عن بُعد… بل من قلب المعركة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات